اللبنانيون والانتظار... مسارٌ طويل في نفق التيه والمعاناة

01/21/2026 - 12:25 PM

Prestige Jewelry

 

 

 رشيد ج. مينا

دخل اللبنانيون هذا النفق منذ أكثر من (خمسة) عقود، بل يمكن القول إن جذوره تمتدّ إلى إعلان لبنان الكبير… إذ لم يعرف هذا الوطن استقرارًا فعليًا ولا بناءً مؤسسيًا متماسكًا إلا لفترات محدودة، ما إن تبدأ حتى تنتهي، لتتبعثر نتائجها سريعًا.

لبنان كان على الدوام ساحةً تُستجلب إليها صراعات العالم، وتُعاد فيها إنتاج أزماته بنُسخ محلية، فضلًا عن تحمّله، لسنوات طويلة، أعباء الصراع مع العدو الصهيوني نيابةً عن معظم العرب. وحتى حين اتجه بعضهم إلى تسويات مع العدو تحت عنوانٍ مُستهلك اسمه «السلام»، لم يكن ذلك أكثر من إخراجٍ تدريجي لدولٍ من الصراع، واحدة تلو الأخرى، من دون تحقيق سلامٍ عادل أو استقرارٍ حقيقي.

إلى جانب ذلك، فإن طبيعة النظام السياسي اللبناني، رغم ما أُجري عليه من عمليات «تجميل» متكرّرة، لم تنتج إصلاحًا فعليًا، بل عمّقت الممارسات السياسية الطائفية والمذهبية، وأوصلت إلى مراكز السلطة حُرّاسًا يتصدّون لأي محاولة تغيير أو حتى إصلاح جدي. وهكذا، بقي اللبنانيون، على مدى العقود، رهائن انتظارٍ دائم لوعود الخارج، ولتطوّرات ومتغيّرات إقليمية ودولية، يعتقد كل فريق داخلي أنها ستصبّ في مصلحته ونفوذه وحصصه السلطوية، من دون أي اعتبار للوطن، أو لوحدته، أو لحقوق الشعب في دولةٍ حقيقية وبناءٍ مؤسسي.

ها هم اللبنانيون اليوم على رصيف الانتظار، ينتظرون «الترياق» من الخارج:

لوقف العدوان الإسرائيلي المستمر، ولتحقيق السيادة الكاملة، ولفرض سلطة الدولة بقواها الشرعية واحتكارها للسلاح، ولإنجاز الإصلاحات، وإعادة الإعمار، ومعالجة الأزمات المتراكمة منذ عقود.

والحال أن اللبنانيين هم امتداد طبيعي للعمق العربي تاريخًا وجغرافيا وثقافة. لم يتوانوا يومًا عن الدفاع عن الحقوق والمصالح العربية وفي المقدم منها قضية فلسطين، ولا عن مناصرة قضايا الشعوب التوّاقة إلى الحرية وحق تقرير المصير. أفليس من حقهم الخروج من هذا الانتظار القاتل؟

اللبنانيون، الذين شكّل تنوّعهم مصدر غنى، وكانوا روّاد علم وثقافة وإبداع، وتركوا بصماتهم أينما حلّوا، يمتلكون طاقات كبرى. لكن النفق الذي أُدخلوا إليه حوّلهم إلى أسرى تيهٍ وانتظار، وجُرّدوا من حقهم في وطنٍ ودولة، لتحلّ مكانها التبعية، والمحاصصة، والزبائنية، كسلوكٍ سياسي ممنهج.

أما «الدولة العميقة» الحاكمة، الممثّلة لمصالح الخارج والرأسمالية المتوحّشة، فتتعامل مع اللبنانيين كأرقام انتخابية وسلعة سياسية، عبر ديمقراطية مزيفة سُمّيت «توافقية»، بحجة تنوّع لبنان وتركيبته الطائفية، مانعةً أي سيادة للمنطق الوطني أو انتماء حقيقي للوطن، حفاظًا على مصالح ضيّقة، وإبقاء لبنان ساحة رهانات وصراعات.

كان رهان اللبنانيين كبيرًا على عهدٍ جديد وحكومة جديدة، غير أن المسار المتّبع حتى الآن لا يوحي بتغييرٍ جوهري. قد تتبدّل الأشكال، لكن المضمون، كما تؤكده الوقائع، يشير إلى استمرار السير في النفق ذاته، بانتظار من يفتح المخرج.

ليس الانتظار قدرًا لبنانيًا، بل خيارًا فُرض ويُعاد إنتاجه. وما دام اللبنانيون يُعلّقون خلاصهم على الخارج، ويُراهنون على تغيّر المعادلات بدل كسرها، سيبقى النفق مفتوحًا على مزيد من التيه لا على الضوء. فالسيادة لا تُهدى، والدولة لا تُستورد، والحقوق لا يمنحها الخارج، بل تُنتزع بوعيٍ وطنيّ جامع، يرفض أن يكون لبنان ساحة، ويُصرّ أن يكون وطنًا. وإلى أن يتحوّل هذا الوعي إلى فعلٍ منظّم ومسؤول، سيبقى اللبنانيون على رصيف الانتظار.....

ينتظرون ما لن يأتي؟؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment