لبنان... هل انتفَت مسّببات الحرب الأهلية؟

01/21/2026 - 12:19 PM

San diego

 

 

 

قراءة سيكولوجية – سياسية في جذور الصراع اللبناني ومآلاته الحديثة

الخوف المتبادَل: البُعد السيكولوجي - السياسي للحرب الأهلية اللبنانية

 

بيار مارون *

لم تنشأ الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان 1975 كحادث طارئ أو عابر، بل جاءت نتيجة تراكمات عميقة من اختلالات بنيوية وهواجس وجودية متبادلة بين مكونات المجتمع اللبناني. في بلد هش البنية السياسية، تحوّل الخوف من الآخر إلى محرّك أساسي للصراع، وتراجعت الدولة أمام جماعات تبحث عن الأمان خارج إطارها الرسمي. لم تكن الحرب مجرد صراع بين "أخيار" و"أشرار" أو مواجهة أيديولوجية صافية، بل اصطدام مأساوي بين جماعات شعرت كل منها، بطريقتها الخاصة، أن وجودها مهدد.

نظام يولّد الانقسام بدل احتوائه

اعتمد نظام ما بعد الاستقلال اللبناني على تسوية طائفية بدت في حينها ضمانة للاستقرار، لكنها تحوّلت مع مرور الوقت إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام. تراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماء الطائفي، وصارت الدولة ساحة محاصصة بدلًا من أن تكون إطارًا جامعًا. أدى التفاوت الاجتماعي والمناطقي إلى تصاعد الاحتقان، وعجزت الدولة عن فرض سلطتها أو احتكار السلاح. ومع ضعف المؤسسات، ظهرت الميليشيات كبديل دائم عن الدولة في الأمن والتمثيل، وليس كحالة طارئة.

الخوف الوجودي: المحرّك الخفي للصراع في العمق، لم يكن السلاح هو السبب الأول للحرب، بل نتيجة لخوف لم يجد ضمانات داخل الدولة.

•        المسيحيون (الموارنة تحديدًا): حملوا ذاكرة جماعية مثقلة بتجارب الاضطهاد، ورأوا في أي اختلال في ميزان القوى أو تهديد للسيادة، خاصة مع انتشار السلاح الفلسطيني، خطرًا مباشرًا على "الوطن النهائي". نشأت عقلية الحصار وخيار التسلّح الذاتي.

•        الشيعة: عانوا عقودًا من التهميش والإهمال التنموي، وتعرضت مناطقهم لاعتداءات إسرائيلية متكررة. تراكم هذا الواقع ليُنتج شعورًا عميقًا بالغبن، دفعهم إلى البحث عن القوة كوسيلة للحماية وانتزاع شراكة فعلية في الدولة.

•        السنّة: واجهوا اهتزازًا متدرجًا في دورهم السياسي التقليدي بسبب تحولات النظام وتحول لبنان إلى ساحة صراع إقليمي، مما زاد هشاشة موقعهم الداخلي ورسّخ شعورًا بالارتهان لمحاور خارجية متصارعة.

الدور السوري: الاغتيال والفساد كأدوات لإدارة الخوف

إلى جانب الهواجس الداخلية، أدّى الدور السوري دورًا حاسمًا في تعميق مناخ الخوف وعدم الثقة بين اللبنانيين. فمنذ دخول القوات السورية عام 1976، لم يقتصر الحضور السوري على محاولة ضبط الصراع، بل تحوّل في مراحل عدة إلى إدارة ممنهجة له عبر أدوات مباشرة وغير مباشرة، أبرزها الاغتيالات السياسية ذات الأبعاد الطائفية. استهدفت هذه الاغتيالات شخصيات من اتجاهات وطوائف متعددة، وأسهمت في منع نشوء قيادة وطنية مستقلة عابرة للطوائف، وعززت القناعة بأن أي محاولة لإعادة التوازن الداخلي خارج الوصاية ستُواجَه بالعنف. وبدل أن تؤدي هذه السياسة إلى استقرار دائم، غذّت مناخ الشك المتبادل ورسّخت ثقافة الخوف وأبقت أسباب الحرب الأهلية معلّقة ومؤجلة. ومع ترسخ الوصاية، رافق الدور السوري تفكيك تدريجي لمؤسسات الدولة عبر منظومات فساد وشبكات ولاء، ما جعل ضعف الدولة واقعًا بنيويًا يُستخدم لاحقًا لتبرير استمرار السلاح خارجها، وكرّس حلقة مفرغة بين العجز والهيمنة.

الدور الإسرائيلي: حين حوّل الاحتلال الخوف إلى "مقاومة مسلّحة"

إذا كان الدور السوري قد عمّق الخلل من داخل الدولة، فإن التدخل الإسرائيلي ساهم، من الخارج، في إعادة تشكيل منطق الصراع. لم يكن هذا التدخل عاملًا محايدًا، بل شكل أحد أبرز العوامل التي أعادت رسم مسارات العنف الداخلي. فمنذ أواخر الستينيات ومع تكثيف الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، ثم الاجتياحات الواسعة عامي 1978 و1982، وجد الكثير من اللبنانيين، ولا سيما في المناطق الحدودية، أن الدولة عاجزة عن حمايتهم والدفاع عن سيادتها. أنتج هذا العجز فراغًا أمنيًا ونفسيًا سرعان ما ملأته تنظيمات مسلحة قدمت نفسها بوصفها "مقاومة" في مواجهة الاحتلال. لم تنشأ الميليشيات المقاومة نتيجة أيديولوجيا مجردة، بل كاستجابة مباشرة لشعور وجودي بالتهديد غذّته العمليات العسكرية الإسرائيلية والاحتلال وسياسة الضربات المتكررة.

مع كل اجتياح، ترسخت القناعة بأن الحماية لا تأتي من الدولة بل من القوة الذاتية المنظمة، وأسهم الدور الإسرائيلي في شرعنة منطق السلاح خارج الدولة وترسيخ معادلة الأمن المنتزع لا الممنوح. رغم فعاليتها في ردع الاحتلال، جاءت هذه المعادلة بكلفة داخلية عالية، إذ عززت منطق "الدولة الموازية" وأعاقت إعادة بناء سلطة مركزية تحتكر القرار العسكري، فتحوّل الاحتلال إلى عنصر بنيوي في الأزمة اللبنانية.

من اتفاق القاهرة إلى انهيار الدولة

اتفاق القاهرة عام 1969 شكّل نقطة تحول مفصلية؛ فقد شرعن وجود قوة مسلحة خارج الدولة وعمّق الانقسام حول مفهوم السيادة. اعتبره قسم من اللبنانيين التزامًا عروبيًا، بينما رآه آخرون تنازلًا خطيرًا عن السيادة. وجد الجيش اللبناني نفسه في موقع مستحيل بين ولاءات متناقضة، وكان انهياره عام 1976 إيذانًا بسقوط ما تبقى من الدولة، وبداية "الدولة الموازية".

الطائف: نهاية الحرب لا نهاية أسبابها

اتفاق الطائف أنهى الحرب عسكريًا، لكنه لم يعالج جذورها البنيوية. فبدل بناء دولة المواطنة، كُرّست ديمقراطية تعطيل طائفية، وبقي السلاح خارج الشرعية، وغابت الإصلاحات الأساسية مثل إلغاء الطائفية السياسية واللامركزية الإدارية. تحوّل السلام إلى هدنة طويلة، وبقيت أسباب الانفجار كامنة تحت السطح.

2026... مخاض التعافي وبوادر استعادة السيادة

في مطلع عام 2026، يمر لبنان بمرحلة مخاض استثنائية قد تكسر الدائرة المفرغة. رغم التوترات، تبرز بوادر أمل عبر سعي السلطة التنفيذية لاستعادة احتكار السلاح وتطبيق القرارات الدولية السيادية (1559 و1701). التقدم الذي يحرزه الجيش اللبناني في بسط سلطته، مدعومًا بزخم دبلوماسي دولي وإقليمي، يمثل أول محاولة جادة لنزع فتيل "التسلح الذاتي" واستبداله بـ"الأمن الشرعي". ومع اقتراب الانتخابات في مايو 2026، تتصاعد الآمال بأن تشكل هذه المحطة جسرًا نحو إصلاحات حقيقية تبدأ بتفعيل اللامركزية الإدارية وتنتهي بإعادة الاعتبار للدولة كحامٍ وحيد.

لا استقرار بلا أمان نفسي

يُثبت التاريخ اللبناني أن أي تسوية لا تعالج الخوف المتبادل تظل هشّة. الخروج من المأزق لا يكون بتكرار منطق الغلبة، بل ببناء دولة تمنح مواطنيها أمانًا نفسيًا قبل أي توازن عسكري: دولة تحمي الحقوق الفردية، وتحيّد لبنان عن صراعات المحاور، وتواجه ماضيها بجرأة. نجاح مسار التعافي في 2026 مرهون بقدرة اللبنانيين على تحويل "مجموعات الخوف" إلى "شركاء في المواطنة"، ليصبح الوطن الملجأ والدولة الضمانة.

 

* محلّل استراتيجي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment