الصناديق السوداء للنظم الدينية

01/21/2026 - 10:32 AM

San diego

 

عادل صوما

خلطُ الدين بالسياسة والاقتصاد والعلم كان له تبعاتٌ خلال التاريخ، أخطرُها التخلفُ ولا أخلاقيةُ التعامل. لذلك فصلت العَلمانيةُ بينهم تماماً من أجل التطور العلمي وحيادية الدولة، وضمان السلم الأهلي بجعل طريقة عبادة الإنسان لله لا تؤثر على علاقة الإنسان بالإنسان. وكان نتيجة ذلك أن أي فتن أو ثورات أو اغتيالات لا شأن لله بها، لأنها إنسانية ليس إلا. وكان فصلُ الدين عن الاقتصاد رحمةً بالإيمان، حتى لا تعيبه أي رشاوى أو اختلاسات أو سرقات أو تبادل منافع دنيوية.

العَلمانية، التي يُكفّرها البعض، نزّهت الله عن صناديق البشر السوداء، خصوصاً الاقتصادية والسياسية التي يستعملها السياسيون والاقتصاديون للتحكم في الناس والسوق. وإذا ادّعى دينٌ أنه شمولي، فمعنى ذلك واقعياً أنه يقدم شرائع سياسية وفروضاً مالية وطقوساً ظاهرية لحشد الناس بهدف حكمهم، لا أكثر ولا أقل.

لم يزل بعض الناس على هذا الكوكب يؤمنون بحكم الدنيا مالياً وسياسياً بشرائع غيبية، رغم فشله المتكرر، وما نعرفه عن فضائح الذين مارسوه مالياً، التي فصلت فيها في نهاية المطاف محاكم مدنية، مثلما حدث مع شركات توظيف الأموال الإسلامية، بالإضافة إلى الأساليب السياسية التي تمت بخيانات ومؤامرات واغتيالات لا تندرج تحت أي سلوكيات أخلاقية، وفصلت فيها أحياناً محاكم عسكرية. وما تقدّم كان عن النظم الدينية بشكل عام، والتالي سيركز على الصناديق السوداء لنظام الملالي الإيرانيين.

أكاذيب سياسية

بعد تولّي الخوميني الحكم مباشرة، تبيّن أنه رجل مخادع، لأن أول من انقلب عليهم كان دول الغرب التي أجلسته على دكة الحكم، وقال عنها دول كفر وتكبر. كما ظهر على حقيقته البشعة داخلياً في أول صلاة جمعة بعد سقوط نظام شاه إيران، إذ قال لكبار العسكريين الذين كانوا يصلّون خلفه: "ألم تكونوا تصلّون هكذا مع الشاه أيضاً؟" ما يعني أنه كاذب مدلس، لأنه يعلم أن المسلمين يصلّون وراء الخليفة المتغلب، حتى لو كان الخوميني المتغلب بالغرب.

وهو متآمر أيضاً، لأنه بهذا السؤال تآمر على الجيش وجعله عدواً لنظامه المطهّر، وأسس الحرس الثوري ليحمي انقلابه. ثم توالت الإعدامات في محكمته الثورية الإلهية للمعارضين، حيث لا يوجد محامون فيها ولا شهود، بل قاضٍ تُملَى عليه الأحكام ويقرأها فقط.

استعمل الخوميني أحط الوسائل السياسية التي ناقض بها شعاراته الكاذبة أيضاً، منها تفاصيل "كونترا إيران"، وفيها عقد اتفاقاً مع أميركا (الشيطان الأكبر) أثناء رئاسة ريغان لتزويد إيران (ولاية الفقيه) بالأسلحة أثناء حربها مع العراق (الشيعي). وقد أتم جورج بوش الأب، نائب الرئيس آنذاك، هذا الاتفاق عند اجتماعه برئيس الوزراء الإيراني أبو الحسن بني صدر في باريس، وحضر اللقاء المندوب عن الموساد آري بن ميناش، لكي تنقل إسرائيل (عدوة المسلمين) تلك الأسلحة من إسرائيل إلى إيران.

دائرة تلفيقات

ورثة الخوميني استعملوا أيضاً أحط الوسائل السياسية لخلق فتن وقلائل في دول الشرق الأوسط، فأوجدوا ميليشيات عسكرية في دول هشّة مثل لبنان واليمن ثم قطاع غزة، واستعملوا الاضطرابات والطائفية والتزمت لزعزعة دول المنطقة، وحاربوا أي اتفاقيات سلام فيها، ووضعوا اسم قاتل على شارع فيه سفارة مصر، أول دولة تعاملت مع الواقع ووقعت اتفاق سلام مع إسرائيل.

فساد مالي

النظام الإيراني لم يتورع عن استعمال الاقتصاد كأيديولوجية إسلامية، فخلق ما يُسمّى باقتصاد الظل من خلال "مصرف آينده" الذي أسسه علي أنصاري، رجل الأعمال المقرب من محمود أحمدي نجاد. وبهذا النفوذ أسس أنصاري "بنك آينده" عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية خاصة يملكها.

أدار مقربون من صاحب القرار بنك آينده، حتى للالتفاف حول الضغوط الدولية التي فُرضت بسبب تجاوزات النظام الديني. وقد أفلس ذلك المصرف في السنة الماضية بعدما غرق في ديون تجاوزت خمسة مليارات دولار، نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية على الورق. فطبعت الحكومة كميات هائلة من النقد لتغطية العجز الذي أصاب الاقتصاد، ما جعل العجز يتضخم لعدم وجود غطاء لسك العملة، وتجاوز العجز قدرة التاجر على التسعير والمواطن على الشراء، فبدأت شرارة سقوط نظام الملالي من البازار الكبير.

أخطبوط نقدي

لعب "بنك آينده" دوراً مهماً في تمويل الحرس الثوري، أكبر مؤسسة اقتصادية وإعلامية وعسكرية في إيران. وكعادة التوظيفات الإسلامية التي تنأى بنفسها عن الربا، قدّم أعلى أسعار فائدة للمودعين، ما أدى إلى تراكم ديون هائلة عليه. حاولوا علاجها ببناء "إيران مول" الذي موّله بنك آينده بقرض ذاتي لشركات يملكها علي أنصاري نفسه، بينما المواطن لا يستطيع سحب مدخراته أو تلقي فوائده عليها لعدم وجود سيولة في السوق.

بدأت غيوم العاصفة الاجتماعية الأخيرة تتجمع في أواخر سنة 2025، متزامنة مع الانهيار المالي وفقدان الليرة الإيرانية 84% من قيمتها، وتراجع قدرة إيران العسكرية بعد انهيار حزب الله والضربات الموجعة للحوثيين وقصف إسرائيل وأميركا. ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار الآتية من العراق، الحديقة الخلفية لإيران، وجد البنك المركزي نفسه غير قادر على حماية العملة الوطنية.

الرؤية صفر

الاقتصاد الإسلامي كذبة حديثة، فلم يدّعِ أي خليفة حتى انهيار الخلافة العثمانية أنه يدير الخلافة على نظام اقتصاد إسلامي. ومن المؤكد أن الجزية والزكاة وخُمس إيراد الغزوات لله والرسول والخراج على المحاصيل الذي فرضه عمر بن الخطاب وبيع السبايا والعبيد ليس اقتصاداً يصلح لدول. وقد أوقع هذا المصطلح الشعوب في كوارث بسبب كل الحكام الراديكاليين. ورغم ذلك ورطت الحكومة الإيرانية الإسلامية شعبها في هذه الكذبة، وحاولت امتصاص غضب الشارع بعد تفاقم كوارثها، فأقرت موازنة 2025 التي تضمنت رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية لتوفر عشرة مليارات دولار لتغطية عجز الموازنة. لكن الإجراءات تحولت إلى صدمة معيشية جعلت تجار "البازار الكبير" ينزلون إلى الشارع، لأن الليرة تتغير قيمتها في كل ساعة، ما يعني استحالة التسعير.

الأكثر قتامة

الكذب والنفاق والخداع مفترض ألا تتعامل بهم دولة دينية تعمل وتنادي بتطبيق شريعة إلهية، لكن ملالي إيران مارسوا كل ما سبق، ويمارسون الإعدام ضد من يناهضهم تحت بند "المحاربة" أي "شن حرب على الله"، وهو مصطلح في الشريعة الإسلامية ينصب على من يعاند الله ورسوله. والآية نزلت بمعناها الديني لتحدي الأوامر الإلهية كأكل الربا، حيث يعلن الله الحرب على فاعله، أو أصحاب سلوكيات تتنافى أو تتمرد على الشريعة. وبما أن الملالي قيّمون على الشريعة، يعتبرون أن من يناهضهم سياسياً يشن حرباً ضد الله.

كان الملالي على وشك تطبيق الإعدام على المتظاهرين الذين قبضوا عليهم منذ بَدْء الثورة الشعبية ضدهم في أواخر سنة 2025 لردع الشارع، لكن جاء تهديد الرئيس الاميركي دونالد ترامب صريحاً بأن ممارسة الإعدام بحق المتظاهرين معناه استهداف النظام نفسه بضربات خاطفة مؤلمة. ففضّل الملالي تجاهل شرع الله حتى لا يذهب نظامهم مع رياح طائرات F35 و B2، وتجاهلوا تماماً ما نفذوه ضد كل المتظاهرين خلال أربعة عقود، وأعلنوا أنهم ليسوا بصدد تنفيذ أحكام إعدام بتهمة تنظيم تجمعات مناهضة للأمن القومي ونشر دعاية معادية للنظام. وفي حالة إدانة متظاهرين سيُحكم عليهم بالسجن، إذ لا ينص القانون على عقاب الإعدام لمثل هذه التهم.

استعمل الملالي الكذابون التقية والتدليس، وهي صفات لا تليق برجال دين يديرون دولة دينية طاهرة. وقالوا "أمن قومي" بدلاً من "الله ورسوله"، و"قانون" بدلاً من "شرع الله".

وكعادتهم في الخداع الذي ينطلي على الغرب، مارسوا بهمجية حراس النظام إعدام الناس مباشرة في الشارع، بدلاً من إصدار أحكام في المحاكم. خداع وخسّة وكذب يليق فعلاً برجل دين عاطل عن العمل المفيد ويمارس السياسة. وهو ما أكده علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، حين قال: "أنزلت إيران القبضة الحديدية بسرعة ووحشية لم نشهدها من قبل".

لا شأن لي بالإيمان، لأن الله — لو وُجد — لا بد أن يكون أسمى بكثير مما وصفته الأدبيات الإبراهيمية. لكن ما يهمني هو: هل ستساهم التعددية والديمقراطية والليبرالية في سقوط الغرب أمام نظرية حكم بدائية بدأت تتسرب إلى دوله وتجد من ينادي بها بعدما فشلت تماماً في دول المنشأ؟

بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر (كانون الأول) لتعميق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية وصفها محللون بأنها "رصاصة الرحمة" على العقد الاجتماعي الهش. شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة. لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع إلى صدمة معيشية دفعت حتى "البازار" التقليدي — وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران — للنزول إلى الشارع، بعد أن وجد التجار أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم في ظل عملة تنهار قيمتها بالدقيقة والساعة.

احتضار النظام المالي

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول "الاستثناء" إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك قنواتٍ لإثراء نخبة مرتبطة بـ"الحرس الثوري"، جفّت المنابع تماماً. وبات انهيار بنك "آينده" يمثل نموذجاً لخمسة بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته؛ ما يضع الحكم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية.

 

 


 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment