هرم الصراع الدولي: من قيادة العالم إلى إدارة الفوضى

01/21/2026 - 10:08 AM

Prestige Jewelry

 

 

د. اسماعيل المسلماني *

لم يعد الصراع الدولي اليوم صراع محاور أيديولوجية كما كان في الحرب الباردة، بل تحوّل إلى صراع على قيادة النظام العالمي نفسه. في قمة هذا الهرم تقف الولايات المتحدة والصين، في مواجهة مفتوحة عنوانها الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي، وليس فقط الجيوش والسلاح. هذا الصراع لا يهدف إلى إسقاط طرف بقدر ما يهدف إلى فرض قواعد جديدة للعبة الدولية.

الولايات المتحدة، التي قادت النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باتت ترى أن هذا النظام نفسه أصبح عبئًا عليها. من هنا يمكن فهم سلوك إدارة ترامب – وما بعدها – في إضعاف المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، وحتى التشكيك بحلف الناتو. الهدف ليس الانعزال، بل التحرر من القيود التي تمنح قوى صاعدة، وعلى رأسها الصين، مساحة للمنافسة داخل نظام صاغته واشنطن نفسها.

في المقابل، تتحرك الصين بهدوء استراتيجي، عبر مشروع “الحزام والطريق”، واختراق إفريقيا، وتعميق شراكاتها مع دول آسيوية مثل باكستان وإندونيسيا، ومع دول عربية مثل السعودية والإمارات، دون أن تدخل في صدام عسكري مباشر. الصين لا تسعى لإسقاط أمريكا فورًا، بل لإفراغ تفوقها من مضمونه تدريجيًا.

أما روسيا، فهي ليست قطبًا منافسًا للصين أو أمريكا، بل قوة تعطيل. موسكو تستخدم أوكرانيا، وسوريا، والطاقة، والفيتو في مجلس الأمن، لإرباك النظام الدولي ومنع استقراره، دون أن تمتلك مشروعًا عالميًا بديلاً. هي لاعب ضروري في الفوضى، لا قائد لنظام جديد.

في هذا السياق، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة مقايضة لا مركز قرار. دول مثل سوريا واليمن وليبيا تُدار أزماتها بدل حلها، بينما تُستخدم دول أخرى كورقة توازن، كما هو حال تركيا وإيران. أما إسرائيل، فهي ليست قمة في الهرم العالمي، لكنها تمثل ذراعًا وظيفية متقدمة للمصالح الغربية في الإقليم، تستفيد من تفكك الدول العربية، وتحوّل الصراع من سياسي إلى أمني وجودي.

الأخطر أن أوروبا نفسها لم تعد في موقع الشريك الكامل، بل باتت متأرجحة بين التبعية لواشنطن والبحث عن استقلال استراتيجي، كما يظهر في مواقف فرنسا وألمانيا من الحرب في أوكرانيا ومن السياسات الأمريكية الاقتصادية.

في قلب هذا المشهد العالمي، لا يمكن فصل القضية الفلسطينية عن هرم الصراع الدولي القائم. ففلسطين لم تعد تُعامل كقضية تحرر وطني تخضع لقواعد القانون الدولي، بل كملف أمني وظيفي ضمن إدارة الفوضى في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة، خصوصًا في عهد ترامب، عملت على تفريغ القضية من بعدها السياسي عبر الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتهميش حل الدولتين، وشرعنة الاستيطان، في انسجام كامل مع مشروع إضعاف المؤسسات الدولية. في المقابل، تتعامل دول كبرى مع فلسطين كورقة مقايضة: الصين تطرح خطابًا داعمًا دون صدام، وروسيا توظف الملف دبلوماسيًا دون ضغط فعلي، بينما تنخرط بعض الدول العربية في مسارات تطبيع تعكس انتقال القضية من مركز الصراع إلى هامشه. هكذا تصبح فلسطين نموذجًا صارخًا لكيفية إدارة الصراع لا حله، وإبقاء الاحتلال قائمًا ضمن نظام دولي عاجز أو متواطئ.

الخلاصة أن العالم لا يتجه إلى نظام دولي أكثر عدالة، بل إلى إدارة فوضى منظمة، تُعاد فيها صياغة الخرائط، وتُفكك فيها الدول الضعيفة، بينما يُترك الصراع الحقيقي محتدمًا في قمة الهرم بين واشنطن وبكين. وفي هذه المعادلة، من لا يملك مشروعًا سياديًا واضحًا، يتحول تلقائيًا إلى ورقة على طاولة المقايضة.

* مختص بالشان الإسرائيلي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment