رشيد ج. مينا
القتل الرحيم هو إعطاء مادة قاتلة من قبل شخص آخر لمريض، بهدف تخفيف معاناته التي لا تُطاق ولا علاج لها، ومن المفهوم، رغم مأساوية الأمر، أن بعض المرضى الذين يعانون أمراضًا عضالًا ومؤلمة قد يرون في الموت خلاصًا من حياة لم تعد تُحتمل.
وأنا أقرأ هذا التعريف، تبادر إلى ذهني ما يجري في لبنان، وفي كثير من بلاد العرب، من تفكيك منهجي للمجتمع، وبثٍّ للفتن، وإذكاءٍ للصراعات، والاستثمار المتعمّد في الاختلافات لتحويلها إلى خلافات مستعصية. هو المشهد نفسه الذي عاشه لبنان منذ إدخاله قسرًا في النفق قبل أكثر من خمسة عقود، وما شهدته وتشهدُه دول عربية عديدة في العقود الأخيرة. وما تعيشه مدينتي الحبيبة طرابلس ليس استثناءً عن هذا المسار. تهميش، إقصاء عن دورها الوطني التشاركي في صنع القرار، ومحاولات دؤوبة لإلباسها لبوسًا غريبًا عنها:
تشويه، فوضى، تطرف، وتجويع ممنهج، وكأن ما يُفرض عليها ويُبثّ فيها قدر لا فكاك منه، ولا خلاص منه إلا بما يشبه الموت الرحيم المجتمعي، تمهيدًا لولادة “نموذج” جديد يتوافق مع ما يُروَّج له من حضارة، وتطور، ومستقبل تكنولوجي، ورفاهٍ زائف.
لكن هذا “المستقبل” المزعوم لا يمكن تحقيقه، كما يخطّطون له، إلا عبر محو ذاكرتنا، وتاريخنا، وعلومنا، وقيمنا الدينية والأخلاقية، وأحلامنا، وحقوقنا، من فلسطين إلى الحرية، ومن الوحدة إلى العدالة الاجتماعية.
فالفتن، وتعزيز الانقسامات، وإذكاء الصراعات، ليست عوارض جانبية، بل هي المادة القاتلة التي يُراد حقن مجتمعاتنا بها، لتحقيق هذا القتل الرحيم للذاكرة والهوية والحقوق.
طرابلس، عبر التاريخ، كانت مفخرة العيش الوطني وقبول الآخر. كانت مرآةً لرسالة لبنان ودوره، وغناه في التنوع الديني، وجذوره العربية، وانتمائه الوطني والعروبي الراسخ. وستبقى طرابلس، كما يجب أن يكون لبنان، نموذجًا للعيش الوطني الحضاري، عصيّة على هذا الموت الوحشي، لأنها في جوهرها نقيضٌ كامل للرأسمالية المتوحشة ومشاريعها التفكيكية.
إن ما يُراد لنا ليس خلاصًا من الألم، بل إلغاء الذاكرة، وتصفية الهوية، وتدجين المجتمعات تحت عناوين براقة. والموت الرحيم الذي يُسوَّق لنا ليس خيارًا إنسانيًا، بل جريمة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان.
وحدها وحدة الشعب اللبناني، ووعي القوى المجتمعية الحيّة، وقدرتها على استعادة المبادرة والفعل، كفيلة بإسقاط هذا المشروع، ومواجهة كل ما يُراد للبنان من خضوع للإملاءات الصهيونية، والتسليم بالهزيمة، وقبول القتل البطيء تحت مسمّيات كاذبة.
لبنان لا يحتاج إلى موتٍ رحيم، بل إلى صحوة واعية، وإرادة حيّة، ونهوض يستعيد الإنسان قبل الدولة، والكرامة قبل أي مشروع مفروض.












01/21/2026 - 09:01 AM





Comments