معتز فخرالدين *
في السياسة الدولية المعاصرة، غالبًا ما تتقدم القوة على القانون، وتصبح المصالح الكبرى معيارًا للفعل أكثر من المبادئ. صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة لم يغيّر هذا الواقع، بل كشفه بوضوح أمام العالم. في عهده، بدا القانون الدولي أقل من مجرد إطار تنظيمي؛ صار مرنًا أو قابلًا للتجاهل بحسب ما يخدم المصلحة الأمريكية المباشرة. شعار «أمريكا أولًا» لم يكن كلمات انتخابية فحسب، بل فلسفة حكم جعلت القوة المادية المعيار النهائي للفعل، والشرعية القانونية خيارًا يمكن تفعيله أو تجاهله وفق المصالح السياسية.
انطلقت هذه السياسة من إدراك أن الولايات المتحدة تتحمل أعباء نظام دولي لا يعكس وزنها أو مصالحها بالدرجة الكافية. في هذا السياق، لم تعد الاتفاقيات والمؤسسات متعددة الأطراف ضمانة للاستقرار، بل قيودًا تحد من حرية الحركة الاستراتيجية للدولة. صارت الصفقة المباشرة هي المعيار: ما الذي يمكن كسبه الآن؟ وما الذي يمكن فرضه بالقوة؟ لم يكن هذا تحركًا تكتيكيًا فحسب، بل تحوّلًا أساسيًا من الالتزام القانوني إلى شرعية الواقع، حيث تُطبَّق القواعد وفق قوة الدولة لا وفق الحق أو القانون.
تجلّى هذا المنطق في سلسلة من الإجراءات التي تجاوزت القوانين الدولية التقليدية: الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ورفض الالتزام باتفاق باريس للمناخ، وتقييد التزامات الولايات المتحدة تجاه منظمات دولية متعددة. على صعيد آخر، امتدت السياسات إلى ممارسات صادمة، مثل محاولة التدخل العسكري المباشر في فنزويلا، التي أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وجرهما إلى المحاكم الأمريكية، أو اقتراح شراء غرينلاند، ما يعكس رؤية تعتبر السيادة الوطنية أداة تفاوض يمكن تجاوزها عند الضرورة. كما أظهرت السياسات الأمريكية تجاه غزة استمرار الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة والتغطية السياسية لإسرائيل، في تجاهل كامل للشرعية الدولية وحقوق المدنيين. هذا التفاوت في تطبيق القانون لا يقتصر أثره على مصالح الدول الكبرى؛ فالدول الصغيرة والمتوسطة، وعبر سياسات الضغط والاحتلال، تجد نفسها رهينة للقرارات أحادية الجانب، ما يؤدي إلى تصاعد الأزمات الإنسانية والسياسية، ويهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي على حد سواء.
بلغ هذا النهج ذروته في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتثبيت السيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، مخالفة بذلك قرارات مجلس الأمن ومبدأ عدم ضم الأراضي بالقوة. لم يكن هناك إعادة تفسير للقانون الدولي، بل تجاوزه المباشر، معتمدًا على قوة النفوذ والواقع السياسي، وكأن الشرعية تُصنع بالاعتراف الأمريكي لا بالقواعد الدولية.
ولا تبدو هذه المقاربة حكرًا على الولايات المتحدة وحدها، إذ يمكن رصد النمط نفسه لدى قوى كبرى أخرى، كما ظهر في الحرب الروسية على أوكرانيا واحتلال أراضٍ أوكرانية بشكل مباشر. تصرفات روسيا أظهرت أن القوة العسكرية يمكن أن تُفرض على الأرض رغم مخالفتها للقانون الدولي، وأن القرارات الدولية وحدها لا تكفي لردع الدول الكبرى. هنا يتضح أن هشاشة النظام الدولي ليست أمريكية فقط، بل ظاهرة عالمية، حيث تصبح القوة معيارًا نهائيًا لتحديد الشرعية والسيادة، والقانون الدولي خيارًا يمكن تفعيله أو تجاهله حسب مصالح القوى الكبرى.
كما يتجاوز هذا النهج المجال العسكري، ليشمل أدوات القوة الاقتصادية والسياسية. من الرسوم الجمركية الأحادية على الصين وأوروبا، إلى الضغوط الاقتصادية والعقوبات خارج نطاق الإجماع الدولي، وصولًا إلى التوترات الأمريكية-الصينية حول تايوان، حيث تُستخدم القوة السياسية والتهديد العسكري لتغيير قواعد اللعبة دون اللجوء إلى القانون الدولي. كل هذه الخطوات تؤكد أن القوة صارت معيارًا نهائيًا، وأن القانون الدولي أداة يمكن تفعيله أو تجاهله عند الضرورة.
ما كشفته هذه السياسات ليس مجرد خرق مؤقت للقواعد، بل فضح الهيكل الحقيقي للنظام الدولي: القانون الدولي مرتبط دائمًا بالقوة، ويُوظَّف لتبريرها، وليس لضبطها بشكل مستقل. الجديد في تجربة ترامب أنه أزال أي قناع قانوني، موضحًا أن المصلحة المباشرة هي المعيار النهائي، بحيث تصبح القواعد مرنة وفق ميزان النفوذ لا وفق مبادئ الشرعية أو الإجماع الدولي.
تكمن خطورة هذه التجربة في تطبيع الانتهاك وجعله قاعدة متكررة. عندما تُدار العلاقات الدولية وفق القوة بدل القانون، تفقد الشرعية معناها، ويتحوّل النظام الدولي من إطار لضبط الصراع إلى ساحة مفتوحة للتنافس والهيمنة.
تقليديًا، كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها رائدة في دعم التعددية والمؤسسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. لكن عهد ترامب أزاح هذا الدور لصالح أحادية صلبة أضعفت المؤسسات والتحالفات، واعتمدت على الضغط الاقتصادي والعقوبات بدل الإجماع. هذا التحول لم يضعف القانون الدولي فحسب، بل أضعف الثقة بالدور الأمريكي كقائد للنظام العالمي.
الحقيقة أن أزمة القانون الدولي لم تخلقها سياسات ترامب، لكنها وضعت هشاشة النظام الدولي في دائرة الضوء بشكل لا يمكن تجاهله. فقد أظهرت هذه السياسات، إلى جانب أمثلة أخرى مثل روسيا في أوكرانيا والصين تجاه تايوان، أن غياب آليات فعالة لردع القوى الكبرى يجعل احترام القواعد اختيارًا، لا واجبًا، وأن مبدأ المساواة القانونية بين الدول يتصادم دائمًا مع واقع التفاوت في القوة. هنا، تتضح الطبيعة السياسية والأخلاقية للأزمة أكثر من بعدها القانوني، إذ تكمن المشكلة الحقيقية في غياب الإرادة لضبط القوة، لا في نقص النصوص أو المؤسسات. ما أظهرته التجارب العالمية هو أن الشرعية الدولية تُدار وفق ميزان القوة، والقواعد القانونية تُطبَّق حسب مصالح القوى الكبرى، ما يجعل النظام الدولي عرضة للفوضى إذا لم تُفرض قيود حقيقية على المتنفذين.
ويتكرر هذا المنطق في أكثر من ساحة دولية، من سياسات ترامب إلى الحرب الروسية على أوكرانيا، ومن النزاعات حول تايوان إلى الحرب على غزة، ما يؤكد أن القوة هي المعيار الأعلى في السياسة الدولية المعاصرة، وأن القانون الدولي، بلا رادع فعلي، يتحول إلى خيار يمكن تفعيله أو تجاهله. أمام العالم معضلة حقيقية: هل يمكن أن يُحكم النظام الدولي بالقواعد وحدها، أم أن القوة وحدها هي التي تحدد المعايير؟ أمام هذا الواقع، تتجلى الحاجة الملحة لإعادة التفكير في آليات حماية الشرعية الدولية، وضمان أن يكون القانون الدولي أكثر فعالية في ضبط القوى الكبرى، وإعادة التوازن بين القوة والحق، قبل أن يتحول النظام العالمي إلى ساحة مفتوحة للفوضى والانتهاكات المتكررة.
* باحث وكاتب سياسي لبناني، منخرط في مشروع فكري نقدي تحرّري يسعى إلى تجديد الفكر العربي وإعادة بناء الوعي الوطني على أسس العدالة والمواطنة وكرامة الإنسان. يتجاوز عملي حدود التعليق السياسي التقليدي إلى بلورة رؤية عربية معاصرة تستند إلى الفكر النقدي، وتناهض الاستبداد والطائفية، وتؤمن بقدرة الإنسان العربي على النهوض والتغيير. تولى حاليًا: رئاسة منتدى تجديد الفكر القومي العربي ونيابة رئاسة المركز الثقافي للحوار والدراسات.
يكتب عند تقاطع السياسة والثقافة والهوية، واضعًا الأمة العربية في صميم تحليلي، وفلسطين في قلبها. ومن خلال نقد بنيوي ومفاهيمي، أعمل على تفكيك السرديات السائدة والإسهام في بناء رؤية عربية تحرّرية راسخة الجذور.












01/20/2026 - 11:44 AM





Comments