رشيد ج. مينا
يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الأمن والاستقرار في لبنان، وعن الحراك الدولي، والأمريكي على وجه الخصوص، لدعم السلطة والحكومة تحت عنوان حصرية السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية، وتأمين الدعم اللازم، وصولًا إلى عقد مؤتمر دولي يُخصَّص لهذا الغرض، بما يُمكّن الجيش اللبناني من القيام بدوره في حماية لبنان وفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها.
لكن، وعلى الرغم من كل هذا الخطاب، تبقى الأولوية الغائبة عمدًا هي وقف العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، من دون أي ردع فعلي، ومن دون استجابة حقيقية لكل المواقف الدولية الداعية إلى وقف الأعمال العدائية، كما ورد توصيفها في الاتفاقات والقرارات ذات الصلة. حتى الآن، لم يُطرح بشكل واضح وصريح: إلى أين تريد الولايات المتحدة أن تأخذ لبنان، بعيدًا عن المواربة والتجميل السياسي؟
لا شكّ أن دعم الجيش اللبناني بالسلاح والعتاد، وتحسين ظروف عيش العسكريين، أمرٌ واجب ومطلوب، وقد تأخر كثيرًا. إلا أن اختزال الأزمة اللبنانية بهذا العنوان وحده يُغفل جوهر المسألة، التي تتجاوز لبنان لتلامس عمق الأمن القومي العربي، ذاك الأمن الذي جرى استهدافه أمريكيًا وصهيونيًا وإيرانيًا، حتى وصل إلى حالة انكشاف شبه كامل.
هذا الانكشاف لم يكن وليد التدخلات الخارجية وحدها، بل جاء مترافقًا مع عجزٍ أو قصورٍ في الإدارات والسلطات الحاكمة، وضعفٍ في البُنى السياسية والمجتمعية، التي لم تتحول في كثير من الأحيان إلا إلى جسور للانتهازيين والوصوليين نحو المناصب والسلطة، ولو على حساب الفتات المتبقي من الدولة والمجتمع.
السؤال الجوهري هنا:
ماذا حقق التفكير الأناني، وصرف الموازنات الضخمة على السلاح والتسلّح؟ ماذا أفاد ذلك العرب من العراق إلى ليبيا، ومن السودان ومصر إلى اليمن، ودول الخليج، والمغرب العربي، وسوريا، والأردن، ولبنان؟ كل هذا الإنفاق وكل هذا التسلّح لم يحمِ العرب من الاستهداف، ولم يمنع الانهيارات، ولم يصن الأوطان.
وحده النهج القائم على الفكر الجماعي التشاركي، المبني على الثقة المتبادلة، وتحديد الآليات الفعلية لحماية الأمن القومي العربي، وفق أعلى درجات التنسيق، والوضوح في تحديد العدو والصديق، والتمسّك بالمصالح العربية العليا، يمكن أن يشكّل مدخلًا حقيقيًا للحماية والاستقرار.
المطلوب رؤية عربية مشتركة لكيفية إرساء الأمن والسلام في بلاد العرب، وبناء علاقات ندّية مع الآخرين، والمشاركة الفعلية في التخطيط والتنفيذ لما يجب أن يكون عليه حاضر المنطقة ومستقبلها، بدل ترك هذا المصير في يد الآخرين، يحدّدونه وفق مصالحهم، مستثمرين حالات الضعف والتفكك التي صُنعت عبر عقود من التآمر المقنّع، والوحشية العدوانية، بأساليب ناعمة وخادعة.
إن أمن لبنان لا يُختزل بدعمٍ مشروط، ولا يُبنى في ظل عدوانٍ مفتوح بلا رادع. وما لم يُعاد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي كمسؤولية جماعية ورؤية مشتركة، ستبقى أوطاننا ساحات اختبار، لا دولًا ذات سيادة.
الأمن لا تصنعه المؤتمرات، ولا تحميه الوعود، ولا يضمنه السلاح المنفرد. الأمن قرار سياسي سيادي، ورؤية جماعية، وإرادة تحرّر من التبعية… وكل ما عدا ذلك إدارةٌ للأزمات لا أكثر.












01/20/2026 - 10:32 AM





Comments