لبنى عويضة
تزدحم الشاشات ومنصّات التواصل بالمحلّلين والناشطين السياسيين، في مشهد يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يُسمح لغير الطبيب بتشخيص الأوبئة، أو لغير المهندس بتخطيط المدن؟ في السياسة، يبدو الجواب مختلفًا. فقد تحوّل هذا العلم إلى مساحة مفتوحة لكلّ من لا اختصاص له، حيث يسود التحليل العشوائي الخالي من الأسس العلمية، وتُدار النقاشات إمّا وفق أجندات مسبقة أو بدافع التسلية السياسية، من دون إدراك خطورة العبث بمصير المجتمعات.
تقادم السياسة الكلاسيكية
يعاني علم السياسة من تهميشٍ مزمن، إذ لا تزال قواعده تُستحضر كما وُضعت منذ أفلاطون، وكأنها نصوص نهائية غير قابلة للتحديث.
فُهمت السلطة تقليديًا بوصفها قوة مركّزة بيد شخص أو مؤسسة، ضمن منطق خطّي يفترض إمكانية التنبؤ بالوقائع السياسية انطلاقًا من الماضي. غير أنّ هذا التصوّر اصطدم بواقعٍ معاصر أثبتت فيه نظرية الفوضى أنّ تغييرات صغيرة في الشروط الأولية قد تُنتج تحوّلات كبرى وغير متوقعة، ما أسقط وهم المسار الواحد والتاريخ القابل للضبط.
الحروب وتعدّد الحقائق
يتجلّى هذا التحوّل بوضوح في الحروب المعاصرة، كالحرب الروسية – الأوكرانية، حيث لا وجود لحقيقة واحدة متفق عليها. تتعايش سرديات متناقضة للحدث نفسه، وكلّ طرف يصوغ واقعه الخاص اعتمادًا على معلومات منتقاة أو مضلِّلة. هذا التعدّد في الوقائع لا يربك الفهم العام فحسب، بل يشلّ الدبلوماسية، إذ لا تفاوض ممكنًا من دون حدّ أدنى من الاتفاق على ما يُعدّ حقيقة.
من الحداثة إلى "الكوانتا السياسية"
مع انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، دخل العالم مرحلة ما بعد الحداثة السياسية، أو ما يمكن تسميته بـ"الكوانتا السياسية". في هذا الإطار، تراجع منطق القوانين الصارمة لمصلحة عدم التعيين، ولم يعد المستقبل امتدادًا آليًا للماضي، بل فضاءً مفتوحًا لاحتمالات متراكبة قد تتعيّن بفعل حدث صغير أو تدخّل مفاجئ.
السياسة الكوانتية: نحو عقلنة الفوضى
أمام هذا الواقع، برز اتجاهٌ بحثي يعتبر السياسة علمًا تطبيقيًا، على غرار الفيزياء، ما استدعى الانتقال من النموذج النيوتني إلى النموذج الكوانتي. فالسياسة الكوانتية تسعى إلى عقلنة الفوضى لا إنكارها، عبر تفكيك الأوهام، وتحليل الوقائع بعيدًا عن نظريات المؤامرة، والانتقال من القراءة الكلّية إلى المستوى الميكروسياسي الأكثر دقة.
تقوم هذه المقاربة على قطيعة مع مبدأ الحتمية، وتتبنّى منطق التراكب وعدم التعيين، حيث لا تسلك الواقعة السياسية مسارًا واحدًا، بل تتكوّن من مجموعة احتمالات متزامنة. كما تؤكّد أنّ القوة الجيوسياسية لا تخضع لأهواء القادة، بل تتشكّل وفق محددات بنيوية، في مقدّمها الجغرافيا، والمساحة، والإشراف البحري، وما يترتّب عليها من تأثيرات إقليمية ودولية.
الطيف الكوانتي للعلاقات الدولية
ضمن هذا الطيف الجيوسياسي والجيواقتصادي، تتداخل العلاقات بين الدول في صيغ مركّبة: شراكات سياسية قد تترافق مع منافسة اقتصادية، أو حياد سياسي يقابله تعاون اقتصادي. ومع إدخال الدين والاستراتيجيات الكبرى إلى هذه المعادلات، يتّسع مجال الاحتمالات أكثر، ويتحوّل الواقع السياسي إلى شبكة مفتوحة على تحوّلات غير قابلة للاختزال أو التثبيت.
نحو نهاية وهم السيطرة
المقاربة هذه تعود إلى العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف، التي قدّمها بوصفها ثورة منهجية في كتابه "السياسة: القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية"، معتبرًا أنّ الوقائع السياسية، شأنها شأن الظواهر الفيزيائية، قد تخضع للنموذج الكلاسيكي أو الكوانتي بحسب السياق.
إلى أين تتجه السياسة؟
لسنا اليوم أمام عالمٍ فقد النظام صدفة، بل أمام نظام جديد قوامه اللايقين. لم تعد السياسة ساحة حقائق متقابلة، بل فضاء احتمالات متراكبة، حيث الحدث الصغير قادر على قلب موازين دول، والسردية قد تتفوّق على الوقائع نفسها. في هذا العالم الكوانتي، لا ينتصر من يملك القوة وحدها، بل من يفهم منطق الفوضى ويُحسن إدارتها. أمّا الإصرار على قراءة الحاضر بعقلٍ نيوتنيّ كلاسيكي حتمي، فلن ينتج سوى صدمات متتالية. نحن لا نعيش أزمة نظام… بل نهاية وهم السيطرة.
نشر ايضاً في جريدة الرقيب الالكترونية












01/20/2026 - 08:20 AM





Comments