زيارة العماد رودولف هيكل إلى واشنطن… بين رسائل السياسة وامتحان الثقة: قراءة تحليلية موسّعة

01/19/2026 - 10:38 AM

Bt adv

 

تحقيق اخباري من اعداد الاعلامي جورج ديب

تتجه الأنظار في بيروت والعواصم المعنية بالملف اللبناني إلى الزيارة المرتقبة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة في الثالث والرابع من شباط المقبل، في خطوة تُعدّ من أكثر المحطات حساسية منذ سنوات. فالزيارة تأتي بعد تأجيل أثار الكثير من التأويلات، وفي لحظة إقليمية تتغيّر فيها قواعد الاشتباك من غزة إلى البحر الأحمر، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى على حدود لبنان الجنوبية. وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو واشنطن وكأنها تعيد ترتيب أوراقها اللبنانية، فيما يدخل الجيش اللبناني إلى قلب الحسابات الدولية باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على منع الانهيار الكامل للدولة.

إنّ إعادة تثبيت موعد الزيارة بعد تأجيلها لا يمكن التعامل معه كإجراء بروتوكولي. فالولايات المتحدة كانت قد جمّدت الزيارة في لحظة انزعاج واضح من ملف “حصرية السلاح” ومن غياب أي تقدّم في تنفيذ القرارات الدولية، ما فُهم يومها كرسالة ضغط مباشرة على بيروت. لكنّ العودة إلى تحديد موعد جديد تعكس تحوّلًا في المقاربة الأميركية، وإدراكًا بأن الجيش اللبناني، رغم كل الضغوط والانهيارات، يبقى الطرف الوحيد القادر على لعب دور في منع توسّع المواجهة جنوبًا، وفي الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي.

البعد الإقليمي للزيارة هو الأكثر حضورًا. فواشنطن تنظر إلى لبنان اليوم من خلال ثلاثة ملفات مترابطة: أمن إسرائيل، النفوذ الإيراني، ومستقبل الجبهة الشمالية. وفي هذا السياق، يصبح الجيش اللبناني عنصرًا أساسيًا في الحسابات الأميركية، ليس لأنه قادر على تغيير موازين القوى، بل لأنه الجهة الوحيدة التي يمكن أن تشكّل “ضابط إيقاع” يمنع توسّع المواجهة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي انفجار كبير في الجنوب سيعني فتح جبهة جديدة في لحظة إقليمية مشتعلة أصلًا، وأن انهيار الجيش اللبناني سيترك الساحة مفتوحة أمام قوى أخرى، ما يهدد بتغيير قواعد اللعبة في المنطقة. لذلك، فإن دعم الجيش ليس مسألة لبنانية داخلية، بل جزء من استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى منع تمدد النفوذ الإيراني عبر الحدود اللبنانية، وإلى إبقاء لبنان ضمن هامش السيطرة الغربية.

في المقابل، يدرك الجيش اللبناني أن زيارته إلى واشنطن تأتي في لحظة إقليمية لا تشبه أي مرحلة سابقة. فالمعادلات تتبدّل بسرعة: إسرائيل تخوض حربًا مفتوحة في غزة وتلوّح بتوسيعها، إيران ترسل رسائل عبر ساحات متعددة، العراق وسوريا يشهدان ضربات متبادلة، والبحر الأحمر أصبح ساحة مواجهة جديدة. وسط هذا المشهد، يصبح لبنان جزءًا من لوحة إقليمية تُستخدم فيها كل الساحات للضغط المتبادل. من هنا، فإن زيارة العماد هيكل تحمل بُعدًا يتجاوز طلب الدعم العسكري أو اللوجستي. إنها زيارة تُقدّم فيها المؤسسة العسكرية رؤيتها للواقع الإقليمي، وتعرض فيها التحديات التي تواجهها على الحدود الجنوبية، وتشرح فيها حدود قدرتها على التحرك في بيئة سياسية داخلية معقدة.

واشنطن تريد من الجيش دورًا أكبر في ضبط الحدود وتنفيذ القرار 1701، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي خطوة غير محسوبة قد تدفع لبنان إلى مواجهة داخلية أو إلى اشتباك مباشر مع حزب الله، وهو سيناريو لا تريده الولايات المتحدة في هذه المرحلة. لذلك، فإن العلاقة بين الطرفين تقوم على معادلة دقيقة: دعم أميركي مشروط، مقابل دور لبناني محسوب، ضمن سقف يمنع الانفجار ولا يغيّر موازين القوى جذريًا. وفي العمق، الزيارة ليست مجرد لقاءات عسكرية، بل جزء من صراع إقليمي على النفوذ. فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على موطئ قدم ثابت في لبنان، وتريد منع أي فراغ قد تستفيد منه إيران. وفي المقابل، يدرك الجيش اللبناني أن استمرار الدعم الأميركي هو شرط أساسي لبقائه متماسكًا في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يهدد رواتب العسكريين وقدرتهم على الاستمرار.

تتجاوز انعكاسات هذه الزيارة بعدها الخارجي لتلامس الداخل اللبناني مباشرة، إذ ستشكّل نتائجها معيارًا لقياس حجم الثقة الدولية المتبقية بالدولة ومؤسساتها. فنجاح العماد هيكل في تثبيت دعم أميركي واضح سيمنح الجيش جرعة استقرار ضرورية في لحظة يتآكل فيها كل ما حوله، وسيعيد ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي اللبناني الذي يعيش على وقع الفراغ والتجاذبات. كما أن الزيارة ستنعكس مباشرة على مؤتمر باريس المقبل لدعم الجيش في الخامس من آذار، إذ إن الموقف الأميركي سيحدد سقف المشاركة الدولية وحجم المساعدات الممكنة. فباريس، ومعها العواصم الأوروبية، تنتظر إشارة واضحة من واشنطن قبل المضي في أي التزام مالي أو لوجستي كبير.

وبالتالي، فإن ما سيحمله العماد هيكل من رسائل وضمانات سيحدد ما إذا كان المؤتمر سيشكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار دعم المؤسسة العسكرية، أم مجرد محطة دبلوماسية إضافية في سجل المبادرات غير المكتملة. وفي كل الأحوال، تبدو الزيارة بمثابة اختبار مزدوج: اختبار لمدى قدرة الجيش على الحفاظ على موقعه كآخر مؤسسات الدولة المتماسكة، واختبار لمدى استعداد المجتمع الدولي للاستثمار في استقرار لبنان قبل أن يفوت الأوان.

إن زيارة العماد هيكل إلى واشنطن، بهذا المعنى، ليست حدثًا عابرًا، بل محطة سياسية حادّة تُختبر فيها حدود الدور اللبناني في لحظة إقليمية تتغيّر فيها قواعد اللعبة. إنها زيارة تُعيد رسم موقع الجيش في معادلة إقليمية أكبر من لبنان نفسه، وتؤكد أن المؤسسة العسكرية باتت جزءًا من حسابات القوى الكبرى، وأن مستقبلها مرتبط مباشرة بمسار الصراع بين واشنطن وطهران، وبمستقبل الجبهة الجنوبية، وبما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية أو نحو انفجار جديد. وفي النهاية، تحمل الزيارة رسالة واضحة: لبنان، رغم ضعفه، ما زال جزءًا من معركة النفوذ في الشرق الأوسط، والجيش اللبناني، رغم أزماته، ما زال لاعبًا لا يمكن تجاوزه في حسابات القوى الإقليمية والدولية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment