لماذا نجحت الصهيونية حيث فشل العرب؟

01/19/2026 - 10:22 AM

Bt adv

 

 

 رشيد ج. مينا

سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح :كيف استطاعت الصهيونية أن تصبح فاعلة، بل شبه مسيطرة، على التوجّهات الأميركية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، بينما عجز العرب، بجالياتهم ودولهم وثرواتهم، عن تحقيق تأثير مماثل في الرأي العام والقرار الأميركي؟.

المفارقة صارخة

فالصهيونية قدّمت نفسها ممثّلة لحقوق “اليهود” المزعومة، وترجمت ذلك بإنشاء كيان سياسي قائم على أساس ديني–عنصري، في تناقض فاضح مع الشعارات الأميركية المعلنة حول الحريات، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وفصل الدين عن الدولة.

ومع ذلك، حظي هذا الكيان، ولا يزال، باحتضان أميركي كامل، عبر جميع الإدارات المتعاقبة، ودعم غير مشروط سياسيًا وعسكريًا وماليًا، وبتغطية كاملة لمشاريعه التوسعية وأهدافه العدوانية.

في المقابل، يقف العرب – وهم أصحاب أكبر احتياطي نفطي في العالم، وأهم الممرات البحرية والبرية، وعمق جغرافي وبشري هائل – خارج معادلة التأثير الحقيقي. لا وزن سياسيًا، ولا قدرة على فرض المصالح، ولا حضور فاعل في صناعة القرار الأميركي، رغم أن منطق المصالح البحتة كان يفترض العكس.

هل السبب ديني؟

هل نجحت الصهيونية فقط عبر استثمارها في العلاقة مع التيار الإنجيلي المسيحي في الولايات المتحدة؟

الجواب، وإن كان هذا العامل حاضرًا، إلا أنه غير كاف، فالدعم الغربي لإسرائيل يتجاوز البعد الديني، ليطال أوروبا بمعظمها، رغم علمانيتها، ويتجاوز أي اعتبار أخلاقي أو قانوني أو إنساني. ما يعني أن الصهيونية لم تنتصر بالخرافة التلمودية وحدها، بل بالقدرة على التنظيم، والاختراق، وبناء النفوذ داخل مراكز القرار، والإعلام، والاقتصاد، والبحث الأكاديمي، وتحويل الأسطورة إلى أداة سياسية فعّالة.

في المقابل، لم يكن العجز العربي ناتجًا عن نقص في الإمكانات، بل عن غياب الرؤية، وتفكك الموقف، وارتهان القرار، وتحوّل الثروة إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة. وإذا كان من عاملٍ أسهم بعمق في خدمة المشروع الأميركي–الإسرائيلي في المنطقة، فهو الدور الإيراني خلال العقود الأربعة الماضية.

دورٌ قام على تصدير الفوضى، والتدخل في عمق النسيج العربي، وتفجير الانقسامات المذهبية، وتجييش الشيعة العرب من العراق إلى اليمن ولبنان مرورًا بسوريا، مستخدمًا قضية فلسطين غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا.

عمليًا، صبّت هذه السياسات في مصلحة واشنطن وتل أبيب، إذ سهّلت تفكيك المجتمعات العربية، وإضعاف دولها، وتحويل الصراع من عربي–إسرائيلي إلى صراعات داخلية مذهبية، أجهضت أي إمكانية لبناء موقف عربي موحّد وفاعل.

هنا يعود السؤال الجوهري: لماذا نجحت الصهيونية، بكل ما تحمله من تناقض مع العقل والمنطق والقيم الإنسانية، في تحقيق هذا النفوذ، بينما فشل العرب، رغم عدالة قضاياهم وغنى إمكاناتهم؟

الجواب المؤلم أن الصراع ليس بين الشعوب، ولا بين الأديان، بل بين الشعوب وقوى الهيمنة والسيطرة المتوحشة، التي تتعامل مع الإنسان كرقم أو سلعة بلا قيمة إنسانية. وأن العرب، بدل أن يكونوا طرفًا فاعلًا في هذا الصراع، تحوّلوا في كثير من الأحيان إلى أدوات فيه، أو ساحات لتصفية الحسابات، أو مصادر تمويل بلا قرار.

إن ما تحقق من توسع وهيمنة أميركية–إسرائيلية اليوم، وما يُطرح من مشاريع وخرائط وفرض وقائع جديدة دون أي رادع أو حساب، يجب أن يدفع العرب، ولو متأخرين، إلى إعادة حساباتهم جذريًا. ليس بدافع العداء للشعوب الأخرى، بل دفاعًا عن حقهم في المشاركة الإنسانية العادلة، وفي بناء مستقبل يحترم كرامة الإنسان العربي ودوره.

العرب يمتلكون الكثير: الثروة، الموقع، التاريخ، الإنسان، لكنهم يحتاجون إلى ما هو أعمق: رؤية مستقلة، سياسات عقلانية، تنظيم واعٍ، واستثمار حقيقي في الوعي العام، ليصبح لهم وزن في الرأي العام الدولي، وتأثير في القرار الأميركي نفسه، الذي بات، على نحو متناقض، أحد أكبر المتضررين من الهيمنة الصهيونية على سياساته.

الخلاصة أن استعادة الدور العربي لا تمرّ عبر الشعارات، ولا عبر استنساخ فشل الماضي، بل عبر بناء مشروع عربي إنساني حضاري، يعيد الاعتبار للإنسان، ويحرر القرار، ويخرج العرب من موقع المفعول به إلى موقع الشريك في صناعة المستقبل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment