رشيد ج. مينا
سقطت مبادئ وشرعة حقوق الإنسان، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ومفاهيم الحقّ والعدل والحرية والمساواة، وحقّ الشعوب في اختيار أنظمة الحكم التي تريدها، أمام منطق القوة الغاشمة الاستعمارية. قوةٌ تغيّر أشكالها وألوانها وشعاراتها، بينما يبقى مضمونها ثابتًا لا يتغيّر، بل يزداد سطوةً ووحشية، مستفيدًا من كلّ تطور تكنولوجي، وكلّ وسيلة متاحة، أو تعمل على إتاحتها، لتنفيذ أهداف السيطرة والاستبداد.
إنه جوهر الرأسمالية المتوحشة، وما سياسات وأفعال الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد العالمي، وما التوسّع والوحشية الصهيونية، إلا تعبير صارخ عن هذا النهج، في ظلّ ضعفٍ عالمي، بل عجزٍ أو تواطؤٍ فاضح، وانشغال العديد من الدول بحروبٍ وصراعاتٍ فُرضت عليها أو افتُعلت لإغراقها في الاستنزاف والتفكك، ودفعها إلى أقصى درجات الوهن.
النفط، والموارد، وطرق التجارة، تبقى الأهداف الحقيقية للإمساك بمصير العالم والتحكم بمقدراته، على حساب الإنسان وحقوق الشعوب ومصالحها. وتبقى الأمة العربية في قلب هذا الاستهداف والصراع. فالولايات المتحدة الأمريكية، ومعها المشروع الصهيوني، والقاعدة المغروسة في قلب الأمة: إسرائيل، لن تتوقف عند حدّ. وكلّ الكلام عن التهدئة والسلام لا يعدو كونه شعارات، ما دامت الأهداف الأمريكية والصهيونية تتجه نحو فرض خرائط وتوازنات جديدة في المنطقة والعالم. إنها مواجهة كبرى بدأت، ولا أحد يعلم إلى أين ستؤول.
يبقى السؤال: هل لا تزال هناك إمكانية لتحرّك عربي فاعل، وتوحيد للرؤى والمواقف والإمكانات، في مواجهة إخراج العرب من كلّ حساب؟ المؤشرات لا تشي إلا بالمزيد من الضعف والعجز والانقسام. فنحن أمام استباحة شاملة تهدّد الوجود والمصير العربي، من فلسطين إلى لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق، وليبيا، والسودان، ولن تكون بقية الدول العربية بمنأى عن هذا الاستهداف.
لستُ هنا بصدد رسم صورة سوداوية قاتمة، بقدر ما أصف واقعًا قائمًا. لسنا أمام مشهدٍ عابر، ولا أزمةٍ ظرفية، بل أمام تحوّلٍ عميق في بنية العالم، حيث تُستبدل القيم بالقوة، والحقوق بالمصالح، والإنسان بالأرقام. هذا الواقع، على قسوته، لا يعني نهاية الطريق، لكنه يفرض لحظة وعي تاريخية:
إمّا أن تدرك الشعوب العربية، ومعها القوى الحيّة والقيادات الشعبية والسياسية والنظم الرسمية، حجم ما يجري وخطورته، فتتقدّم نحو وحدةٍ وطنية وشعبية حقيقية داخل كلّ دولة، وتوحيدٍ للرؤى والمواقف والإمكانات على المستوى العربي، دفاعًا عن الحقّ والوجود والمصير… وإمّا أن يُترك هذا المصير لغير أهله، فيُرسم بالنيابة عنهم، وبما يخدم مصالح الآخرين وحدهم.












01/18/2026 - 22:56 PM
.jpg)




Comments