جرينلاند ... والنفوذ الامريكي

01/18/2026 - 09:03 AM

Bt adv

 

 

عصام أبوبكر 

في عالم يشهد تحولات عميقة في موازين القوة الدولية، تعود الجغرافيا لتلعب دورها الكلاسيكي كعامل حاسم في الصراع بين القوى الكبرى. وتبرز جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، كنموذج واضح على كيف يمكن لمكانٍ متجمّد ظاهريًا أن يتحوّل إلى عقدة استراتيجية مركزية في النظام الدولي الجديد.

أولًا: الجغرافيا كقوة سياسية حيث تقع جرينلاند في نقطة تقاطع حساسة بين أمريكا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي، ما يمنحها قيمة استراتيجية تتجاوز حجم سكانها أو مستوى تطورها الاقتصادي. هذه الجغرافيا تجعلها جزءًا أساسيًا من ما يُعرف بـ القوس الأمني لشمال الأطلسي، حيث تمر مسارات الطيران العابرة للقارات خطوط الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية،الاتصالات العسكرية بين ضفتي الأطلسي في هذا السياق، تصبح جرينلاند منصة مراقبة وتحكم، لا مجرد مساحة جغرافية.

ثانيًا: البعد العسكري وعودة سباق التسلّح ومع إعادة عسكرة القطب الشمالي، خصوصًا من قبل روسيا، وتوسيع حلف الناتو نطاق اهتمامه شمالًا، ازدادت أهمية جرينلاند كقاعدة متقدمة للولايات المتحدة. القواعد العسكرية والرادارات هناك ليست دفاعية فقط، بل جزء من منظومة ردع استراتيجي تهدف إلى الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في أي صراع محتمل عالي المستوى.

ثالثًا: الموارد الطبيعية كعامل صراع مستقبلي فذوبان الجليد، الناتج عن تغيّر المناخ، كشف عن بعد اقتصادي جديد لجرينلاند. فالمعادن النادرة، الضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، أصبحت عنصرًا حاسمًا في الصراع بين الولايات المتحدة والصين.

حيث أن السيطرة أو النفوذ على هذه الموارد يعني تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الآسيوية امتلاك أوراق ضغط في الاقتصاد العالمي وتأمين التفوق التكنولوجي على المدى البعيد حيث لم تعد الثروات مسألة اقتصادية فقط، بل أداة سيادة وقوة سياسية.

رابعًا: طرق التجارة وإعادة رسم الخريطة العالمية حيث يفتح ذوبان الجليد البحري ممرات تجارية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا، ما يهدد الأهمية التقليدية لبعض الممرات الدولية. فوجود جرينلاند في قلب هذه التحولات يجعلها نقطة ارتكاز في أي نظام تجاري عالمي جديد، ويحوّلها إلى ساحة تنافس على النفوذ البحري واللوجستي.

خامسًا: جرينلاند في صراع النفوذ بين القوى الكبرى والاهتمام الأمريكي المتزايد بجرينلاند لا يمكن فصله عن القلق من التمدد الصيني عبر الاستثمار والبنية التحتية، ولا عن الحضور الروسي المتنامي في القطب الشمالي. هنا، تتحول جرينلاند إلى ساحة صراع ناعم تستخدم فيها أدوات الاقتصاد، البحث العلمي، والدبلوماسية بدل المواجهة العسكرية المباشرة.

سادسًا: البعد السياسي المحلي وحدود الهيمنة فرغم تبعية جرينلاند السياسية للدنمارك، فإن تنامي النزعة الاستقلالية لدى سكانها يضيف بُعدًا جديدًا للتنافس الدُّوَليّ. أي محاولة للهيمنة الخارجية يجب أن تمر عبر اعتبارات السيادة المحلية، ما يجعل مستقبل الجزيرة رهينة توازن دقيق بين الطموحات الدولية والقرار الداخلي.

جرينلاند ليست ملفًا جانبيًا في السياسة الدولية، بل مرآة لتحولات النظام العالمي. فهي تجمع بين الجغرافيا العسكرية، الثروة الاقتصادية، وتأثير تغيّر المناخ، لتصبح إحدى أهم نُقَط الارتكاز في صراع النفوذ بين القِوَى الكبرى. ومن ينجح في ترسيخ موقعه هناك، لا يسيطر على جزيرة فحسب، بل يضع يده على أحد مفاتيح القرن الحادي والعشرين.

 

* عصام أبو بكر كاتب وصحافي مصري يقدّم مقالات رأي وتحليلات اجتماعية وسياسية في عدد من المنصّات الإعلامية المصرية والعربية، من بينها بيروت تايمز. يتميّز بأسلوب مباشر ولغة واضحة، مع تركيز على قضايا المجتمع، والتحوّلات السياسية، والملفّات اليومية التي تمسّ المواطن المصري.

يكتب أبو بكر بانتظام في الصِّحافة العربية، ويعالج موضوعاته من زاوية نقدية معتدلة، تجمع بين القراءة الواقعية للأحداث والاهتمام بتأثيرها الإنساني والاجتماعي. وقد أسهمت مقالاته في تعزيز النقاش العام حول قضايا محلية وإقليمية، ما جعله من الأصوات الصحافية التي تحافظ على حضور ثابت في المشهد الإعلامي العربي والدولي، وفي صفحات بيروت تايمز على وجه الخصوص.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment