…لبنان ليس أزمة سُنّة بل أزمة نظام ووطن

01/18/2026 - 01:09 AM

secureaisystems

 

 

 رشيد ج. مينا

كثُر في الآونة الأخيرة تداول مقالات وتحليلات تُحاول تفسير ما وصل إليه الواقع السياسي في لبنان من خلال عدسة طائفية، فتُحمِّل طائفة بعينها – هذه المرة الطائفة السُنّية – مسؤولية الانحدار، أو تُصوّرها وكأنها المشكلة بحد ذاتها. ورغم ما في بعض هذه النصوص من توصيف لظواهر حقيقية كصعود المال السياسي، وتراجع المعايير الوطنية في العمل العام، إلا أن اختزال الأزمة اللبنانية بأزمة طائفة، أيًّا كانت، هو تشخيص قاصر وخطير في آنٍ معًا.

المشكلة في لبنان ليست مشكلة السُنّة، ولا الشيعة، ولا المسيحيين، ولا أيّ مكوّن آخر. المشكلة هي في النظام السياسي الطائفي، وفي نهج المحاصصة الذي حكم البلاد منذ عقود، وفي الوصايات الخارجية التي تعاقبت على لبنان واستثمرت في تنوّعه، فحوّلته من نعمة تاريخية إلى أداة تفكيك وصراع.

السُنّة في لبنان ليسوا طارئين على الدولة ولا على فكرة لبنان. هم امتداد طبيعي للأغلبية العربية في هذا البلد، وشكّلوا عبر التاريخ جسر لبنان إلى عمقه العربي، وساهموا في شرعنة الكيان اللبناني، وفي بناء دولته ومؤسساته، وفي الانخراط في القضايا العربية العادلة وفي طليعتها فلسطين. وما أصابهم من تراجع في التمثيل والدور، أصاب غيرهم من المكوّنات، وإن بأشكال مختلفة.

إمّا نعيشه اليوم هو أزمة سلوك سياسي عام:

- ديمقراطية شكلية تُفرغ من مضمونها

- قوانين انتخابية مفصّلة على قياس الطبقة الحاكمة

- مال سياسي يشتري الأصوات ويُنتج نوابًا بلا مشروع

- سلاح خارج الدولة يتناوب عليه النفوذ الطائفي والمذهبي

- تدخلات خارجية وجدت في النظام الطائفي أرضًا خصبة للهيمنة

في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن ينهار التمثيل، وأن تتقدّم نموذجات كاريكاتورية إلى واجهة المشهد، لا لأن طائفة ما تخلّت عن تاريخها، بل لأن الدولة تخلّت عن دورها، ولأن النظام لم يعد ينتج سياسة، بل مصالح ضيقة وولاءات مشروطة.

الأزمة إذًا أزمة وطن لا أزمة طائفة، وأزمة نظام لا أزمة هوية. وأي محاولة لعلاجها من بوابة الطوائف إنما تعيد إنتاج العطب نفسه، وتخدم – بقصد أو من دون قصد – منطق التفكيك الذي أوصل لبنان إلى أن يكون ساحة صراع بدل أن يكون وطنًا.

الضمانة الحقيقية لجميع اللبنانيين، سُنّة وشيعة ومسيحيين ودروزًا، هي:

- بناء دولة قوية بمؤسساتها

- إصلاح النظام السياسي على أسس المواطنة

- إقرار قانون انتخابي عادل يضمن صحة التمثيل

- حصرية السلاح بيد الدولة

- تحرير القرار الوطني من الوصايات والتبعية

فلبنان لا يُنقذ بإعادة إنتاج زعامة طائفية هنا أو هناك، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، وإخراجه من لعبة المحاور، واستعادته وطنًا سيّدًا حرًّا، لا صندوق بريد ولا ساحة لتصفية الحسابات.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment