طهران – تحقيق اخباري من اعداد الاعلامي جورج ديب
تعيش إيران منذ أسابيع على وقع واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات الشعبيّة التي شهدتها البلاد منذ سنوات طويلة. فمنذ اندلاع شرارتها الأولى في 28 ديسمبر/كانون الأوّل الماضي، لم تهدأ التظاهرات، بل تمدّدت جغرافيًا واجتماعيًا، لتشمل مدنًا كبرى وصغرى، من طهران إلى شيراز، ومن الأهواز إلى تبريز، مرورًا بالمناطق الكرديّة والبلوشيّة التي تشهد عادةً أعلى مستويات التوتّر. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يبرز حضور لافت للمواطنين المسيحيّين، الذين وجدوا أنفسهم في موقع هشّ بين المشاركة في الاحتجاجات والخوف من استهدافهم.
ارتفاع أعداد القتلى والمحتجزين… وصعوبة التحقّق في ظلّ التعتيم
مع اتّساع رقعة الاحتجاجات، تتزايد المخاوف من ارتفاع عدد الضحايا في مختلف المحافظات الإيرانيّة. وتشير تقديرات منظمات حقوقيّة دوليّة إلى أنّ العشرات قُتلوا منذ بداية التظاهرات، فيما تتحدّث مصادر أخرى عن أرقام أعلى بكثير، يصعب التحقّق منها بسبب الإغلاق الكامل للإنترنت ومنع الصِّحافة المستقلّة من الوصول إلى مواقع الأحداث.
أمّا على صعيد الاعتقالات، فتفيد تقارير متقاطعة بأنّ المئات، وربما الآلاف، قد احتُجزوا خلال الأسابيع الماضية، بينهم طلاب جامعات، ناشطون، نساء شاركن في التظاهرات، وأفراد من الأقليّات الدينيّة ومنهم مسيحيّون. وتؤكّد منظمات حقوق الإنسان أنّ كثيرًا من المحتجزين يُنقلون إلى مراكز احتجاز غير معلنة، ما يزيد المخاوف من تعرّضهم لسوء المعاملة أو الاختفاء القسريّ في ظلّ غياب الرِّقابة القضائيّة.
مسيحيّون في قلب الشارع…
تشير تقارير حقوقيّة وكنسيّة إلى أنّ عددًا من المسيحيّين المشاركين في الاحتجاجات تعرّضوا للقتل أو الإصابة أو الاعتقال. ووفقًا لمنظّمة ARTICLE 18، قُتِل سبعة مسيحيّين من أصول أرمنيّة خلال الأيام الماضية برصاص قوّات الأمن، فيما لم تؤكّد وسائل الإعلام الأرمنيّة سوى اسم ضحيّة واحدة هو إجمين مسيحي الذي قُتل في طهران. كما وردت أنباء عن إصابة ثلاثة أرمن آخرين، إضافةً إلى حادثة إطلاق نار على اثنين من أبناء شقيق أحد المسيحيّين في شيراز، نُقلا بعدها إلى المستشفى للعلاج.
هذه الوقائع، رغم محدوديّة المعلومات المتاحة بسبب قطع الإنترنت، تُظهر أنّ المسيحيّين ليسوا بمنأى عن دائرة العنف، بل قد يكونون من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر في ظلّ حساسيّة وضعهم الدينيّ والاجتماعيّ.
دور إنسانيّ لافت… ومبادرات صامتة بعيدًا عن الأضواء
ورغم المخاطر، برزت مبادرات إنسانيّة لافتة من مسيحيّين قرّروا دعم المتظاهرين بطرق بسيطة ولكن مؤثّرة. فقد ذكر هرمز شريعات، رئيس منظّمة Iran Alive Ministries، أنّ زوجين مسيحيّين أعدّا نحو خمسين شطيرة وزجاجات مياه ووزّعاها على المحتجّين ليلًا، بينما تولّى آخرون معالجة مصابين في منازلهم بعيدًا عن أعين السلطات.
إحدى القصص التي أثارت تفاعلًا واسعًا كانت لشابّ متظاهر اعتنق المسيحيّة بعدما علم أنّ الممرّض الذي أوقف نزيفه خلال إحدى المواجهات هو مسيحيّ. قصّة تختصر كيف يمكن للإنسانيّة أن تتغلّب على الخوف، ولو للحظات.
الكنائس تحت الضغط… وهاجس الاتّهامات الخارجيّة
تزايد القلق على المسيحيّين مع تصاعد حدّة القمع، خصوصًا أنّ الكنائس في إيران—سواء الرسميّة أو الكنائس البيتيّة السرّية—مرتبطة بمرجعيّات روحيّة خارج البلاد. هذا الارتباط يجعلهم عرضة للاتهامات الجاهزة بالتواصل مع جهات خارجيّة أو “تغذية الاحتجاجات”، وهي تهمة قد تُستخدم لتبرير الاعتقالات أو التضييق.
منظّمة Barnabas Aid أفادت باعتقال ما لا يقلّ عن عشرة مسيحيّين في محافظة فارس، ونقلت عن أحد القساوسة قوله إنّ القوّات الأمنيّة “دهمت منازل المؤمنين متّهمةً إيّاهم بتوفير وقود أيديولوجيّ للتظاهرات”، رغم أنّ معظمهم التزموا منازلهم خوفًا من التصعيد.
قطع الإنترنت… وقلق يتضاعف في الظلام
منذ نحو أسبوع، قطعت الحكومة الإيرانيّة الإنترنت بالكامل عن المواطنين، ما جعل التحقّق من المعلومات شبه مستحيل. هذا الانقطاع لا يحجب فقط صور الاحتجاجات، بل يفتح الباب أمام مخاوف من اعتقالات تعسّفية أو عمليّات تصفية قد تمرّ من دون توثيق، خصوصًا بحقّ الأقليّات الدينيّة التي تُعدّ أكثر هشاشة في مثل هذه الظروف.
تساؤلات في الشارع الإيراني: لماذا تأخّر الردّ الأميركي؟
في موازاة المشهد الداخليّ المشتعل، يبرز سؤال يتردّد على ألسنة كثير من الإيرانيّين، بمن فيهم ناشطون مسيحيّون: لماذا تأخّر الردّ الأميركي على ما يجري؟
خلال الأسابيع الماضية، صدرت تصريحات أميركيّة تؤكّد “متابعة الوضع” و“الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني”، لكنّ الشارع الذي يعيش تحت القمع كان ينتظر خطوات أكثر وضوحًا. البعض يرى أنّ واشنطن تتريّث لتجنّب إشعال مواجهة إقليميّة واسعة، فيما يعتبر آخرون أنّ الإدارة الأميركيّة تحاول الموازنة بين الضغط السياسيّ وعدم الانجرار إلى صدام مباشر.
هذا التأخير، سواء كان محسوبًا أو اضطراريًا، ترك أثرًا نفسيًا واضحًا على المحتجّين الذين كانوا يأملون في موقف دوليّ أكثر صرامة، خصوصًا بعد سقوط قتلى من الأقليّات الدينيّة وارتفاع وتيرة الاعتقالات.
بين الخوف والأمل… مستقبل غامض لمسيحيّي إيران
في ظلّ هذا المشهد المعقّد، يعيش المسيحيّون الإيرانيّون بين خوف يوميّ من الاستهداف، ورغبة في أن يكونوا جزءًا من التغيير الذي يطالب به الشارع. هم يدركون أنّ وضعهم الدينيّ يجعلهم أكثر عرضة للاتهامات، لكنّهم في الوقت نفسه يشعرون بأنّ الصمت لم يعد خيارًا مع استمرار الاحتجاجات واتّساعها، يبقى مستقبل المسيحيّين - كما مستقبل إيران كلّها - رهينًا بتطوّرات الساعات والأيام المقبلة، وبما إذا كانت الضغوط الداخليّة والخارجيّة ستدفع نحو انفراج، أو نحو مزيد من القمع.












01/18/2026 - 00:20 AM
.jpg)




Comments