كتب حمدي عفت
لم تعد النظم السلطوية الحديثة تحكم بالقوة العارية وحدها.
القمع المباشر مكلف، وصورته فظة، ونتائجه قصيرة المدى.
لهذا تطوّر نمط آخر من الحكم، أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا، يعتمد على إدارة المجتمع نفسيًا وزمنيًا ورمزيًا.
في هذا النمط، لا يُمنَع المواطن من الكلام بالضرورة،
لكن يُجرَّد الكلام من أثره. ولا يُقمع الرأي،
بل يُرهَق صاحبه حتى يصبح الصمت هو الخِيار الأسهل.
أولى أدوات هذا النمط هي إدارة الأمل.
فالسلطة لا تنفي إمكانية التغيير، لكنها تؤجله باستمرار:
ليس الآن، بعد الاستقرار، بعد تجاوز التحديات.
وهكذا يبقى الأمل حيًا، لكنه معلّق،
لا يتحول إلى فعل، بل إلى انتظار طويل مُنهِك.
ثم يأتي دور الزمن الشخصي.
تُستنزف طاقة الأفراد في تفاصيل المعيشة اليومية،
في القلق الاقتصادي،
في السعي للبقاء.
ومع الوقت، يصبح التفكير في الشأن العام رفاهية لا يملكها كثيرون،
لا لأنهم لا يهتمون،
بل لأنهم متعبون.
بعد ذلك تُدار اللغة.
لا تُحظَر الكلمات،
بل يُعاد تعريفها.
الاستقرار يصبح مرادفًا للجمود،
والوطنية تتحول إلى تجنّب النقد،
والفوضى تُلصَق بأي محاولة للتغيير.
وحين تُختطف المفاهيم،
تُختطف القدرة على التفكير خارج القالب.
وفي مرحلة أكثر دقة،
لا تعود السلطة بحاجة إلى مراقبة الجميع،
لأن المجتمع نفسه يتحول إلى رقيب:
نصيحة عابرة،
تحذير “بدافع المحبة”،
جملة مألوفة مثل: خلي بالك.
وهكذا تتشكل رقابة ذاتية أشد فاعلية من أي جهاز.
بالتوازي، تُكسَر الثقة بين الناس.
كل تجمع مشكوك فيه،
كل مبادرة يُنظر إليها بريبة،
كل اختلاف يُصوَّر كتهديد.
وعندما تنهار الثقة الأفقية،
يستحيل التنظيم،
ويتحول الأفراد إلى جزر معزولة.
ولكي لا يبدو المشهد مغلقًا تمامًا،
تُقدَّم بدائل زائفة:
مساحات محدودة للنقد،
أصوات مسموح لها بالكلام ضمن سقف معلوم.
يُقال إن الحرية موجودة،
لكن بشروط غير معلنة،
وحدود لا يجوز اختبارها.
أما الذاكرة، فلها نصيبها من الإدارة.
يُعاد تقديم الماضي بوصفه فوضى،
وتُختزل محاولات التغيير في أخطائها،
ويُربط التطلع إلى المستقبل بالخطر.
حتى يتكوّن وعي جمعي يفضّل السكون،
لا لأنه الأفضل،
بل لأنه الأقل كلفة نفسيًا.
وأخطر ما في هذا النمط من السيطرة،
أن السلطة تختفي من المشهد.
لا تظهر كخصم،
بل كواقع لا بديل له،
كقدر،
كشيء “مافيش غيره”.
وهنا لا تُقمع السياسة فقط،
بل تُمحى من الوعي.
ومع ذلك، يخبرنا التاريخ أن هذه المنظومات،
مهما بدت مستقرة،
ليست أبدية.
فهي لا تسقط غالبًا بالضجيج،
ولا تنهار بالصدام المباشر،
بل تتآكل حين يظهر معنى بديل.
حين يعود السؤال.
حين تُستعاد اللغة.
حين تصبح المعرفة موقفًا،
والفهم فعلًا هادئًا.
فليس كل تغيير صراخًا،
وليس كل صمت حيادًا.
أحيانًا،
أطول الطرق…
هي الأصدق.












01/17/2026 - 11:30 AM





Comments