رشيد ج. مينا
* لا يوجد رقم دقيق وموحّد لعدد شهداء استقلال لبنان، لكن الثابت تاريخيًا أن عشرات اللبنانيين، وفي طليعتهم 14 طفلًا وفتى من طرابلس عام 1943، سقطوا خلال المواجهات مع الاحتلال الفرنسي، إلى جانب شهداء آخرين في مناطق مختلفة، مثل تظاهرات بشامون. هؤلاء شكّلوا رمزية كبرى للاستقلال، الذي كُرّس لاحقًا بواقع قانوني ودستوري وعربي ودولي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أكثر من ثمانية عقود، هو:
كيف تحوّلت دماء عشرات الشهداء التي أنجزت الاستقلال، إلى دماء عشرات الآلاف لاحقًا، وجراح مئات الآلاف، ودمار يُقدّر بمئات المليارات، من دون أن ننجح في تحويل الاستقلال من شكلي إلى فعلي؟
فلبنان، منذ 1943، لم يعرف سوى الحروب والانقسامات، وخاض صراعات داخلية وإقليمية أودت بحياة أعداد هائلة من أبنائه، وخلّفت تغييرات ديموغرافية عميقة، وتراجعًا اجتماعيًا واقتصاديًا وصناعيًا وزراعيًا، أعاد البلاد عقودًا إلى الوراء، وأخرجها من مسار التطور العالمي.
صحيح أن استقلال 1943 كان في جوهره استقلالًا شكليًا، لكنه كان معزّزًا بشرعية قانونية ودستورية وميثاق وطني، واعتراف عربي ودولي. ومع ذلك، لم يتمكّن اللبنانيون، رغم كل التضحيات اللاحقة، من بناء دولة حرّة مستقلّة، ولا من استكمال معنى الاستقلال سيادةً وقرارًا ومؤسسات.
المشكلة الجوهرية تكمن في عقم النظام السياسي اللبناني، وفي الطبقة السياسية التي توالت على السلطة منذ الاستقلال حتى اليوم.
طبقة كشّرت عن وجهها الحقيقي، وتماهت بخلافاتها وانقساماتها مع القوى المتربّصة بلبنان، واستثمرت في تنوّعه الديني، الذي هو في الأصل نموذج حضاري للعيش الوطني، لكنه تحوّل بفعل الممارسة الطائفية إلى أداة صراع وتفكيك.
بعض هذه القوى قدّم نفسه حاميًا للأقليات، ودعا إلى مشاريع تقسيمية أو كونفدرالية، وتعاون مع العدو الإسرائيلي تحت شعار الدفاع عن الوجود. وبعضها الآخر رفع شعارات العروبة وفلسطين، لكنه حمّل لبنان وشعبه تبعات تفوق قدراته، وأدخله في نفق مفتوح منذ أكثر من خمسة عقود، من دون أفق واضح للخروج، مكتفيًا بتدوير الشعارات والعناوين.
لبنان، عربي الهوية والانتماء، وهذه حقيقة ليست موضع تشكيك ولا مساومة. هو انتماء طبيعي كرّسه التاريخ والجغرافيا والدور. لكن من الضروري الإقرار بأن لبنان الكبير لم يكن نتاج دماء الشهداء وحدهم، بل نتاج توازنات وتقاسم نفوذ دولي فُرضت من دون إرادة الشعوب، وهو ما يفرض علينا اليوم قراءة واقعية للتاريخ لا تقديسًا له ولا إنكارًا.
وإذا كنّا لا نستطيع تغيير مسار التاريخ، فإن مسؤوليتنا أن نستخلص دروسه، وأن نفهم متطلبات الحاضر وسبل ولوج المستقبل. لبنان، بما يمثّله من نموذج في غنى التنوّع الديني والعيش الوطني، يشكّل نقيضًا للمشروع الصهيوني والعنصري، ويستحق دعمًا عربيًا حقيقيًا. كما أن على الشعب اللبناني أن يعي دوره في التغيير، وأن يوقف استثمار دمائه وتضحياته في خدمة مصالح الخارج وتقاسم النفوذ والمغانم في الداخل.
إن التغيير المطلوب اليوم هو من أجل استعادة القرار الوطني، وبناء دولة ومؤسسات فعلية، لا دولة جباية ضرائب فقط. دولة تحفظ كرامة الإنسان، وتؤمّن حقوقه، لا تطالبه بواجباته وحدها. دولة عدل وقانون، مساواة وتكافؤ فرص، وسلطة تُدير الدولة لصالح مواطنيها، وتُعزّز العيش الوطني، وتفتح الطريق أمام التطور الدستوري والقانوني والاجتماعي والاقتصادي والصناعي.
السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف نُحقّق ما أراده اللبنانيون من الاستقلال. فالاستقلال لا يُقاس بعدد الشهداء ولا بحجم التضحيات وحدها، بل بقدرة الدولة على حماية أرضها، وصون قرارها، وبسط سيادتها الكاملة على كامل أراضيها، سياسيًا وعسكريًا، من دون شراكة، ولا ازدواجية، ولا وصاية داخلية أو خارجية.
لا سيادة من دون وقف العدوان الإسرائيلي المستمر، ولا من دون تحرير ما تبقّى من أرض محتلة، ولا من دون التزام واضح باتفاق الهدنة والقرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدّمها القرار 1701، على قاعدة واحدة:
أن يكون الجيش اللبناني والقوى الشرعية وحدها المخوّلة الدفاع عن الوطن وحماية الحدود، بضمانة وطنية جامعة ودعم عربي ودولي غير مشروط. كما لا دولة من دون وحدانية السلطة السياسية، واحتكارها القرار السيادي، وإنهاء كل أشكال السلاح خارج إطارها، لأن تعدّد مراكز القوة لا يحمي لبنان بل يُضعفه، ولا يردع العدو بل يفتح الأبواب أمام الحروب والاستباحة والوصايات.
إن تحويل الاستقلال من حالة قانونية إلى واقع فعلي يبدأ هنا:
بإنهاء استثمار الدم اللبناني في صراعات الآخرين، وبوقف تحويل لبنان إلى ساحة، وبإعادة الاعتبار لفكرة الدولة كمرجعية وحيدة، وللمواطنة كعقد جامع، وللعيش الوطني كنقيض لكل مشاريع التفتيت.
عندها فقط، يصبح للسيادة معنى، وللتضحيات جدوى، وللبنان مستقبل لا يُدار من الخارج ولا يُستهلك في الداخل، بل يُبنى بإرادة أبنائه، دولةً حرة، عادلة، قادرة، وسيدة على قرارها وأرضها.












01/17/2026 - 11:04 AM





Comments