دبي - ألفة السلامي
نطلق أحيانا على من نحبّ "سُكّر" و"سكرة" أو "عسل" و"شربات" (sugar, honey, sweetie) وتنتمي هذه الأوصاف إلى لغة الحب والمودة كنوع من المبالغة في الدلال للأحبّة، من ذلك أيضا وصف أصغر الأبناء في العائلة بـ "سكر معقود". والثقافة العربية كما الأجنبية غنية بهذه العبارات ولكن يبدو أنها ستصبح من الماضي الذي يرى في السكر رمزا للرفاهية والكرم والبهجة القصوى، حيث كان السكر والعسل "وحدة قياس" لكل ما هو محبّب بمنحه أثمن ما نملك في ذاكرتنا الحسية التراثية ونضعه في مرتبة "التحلية" التي تأتي في ختام الوجبة لتترك أثرا لا يُنسى. وهذا المعنى الرمزي كان متماشيا مع قيمة السكر قديما كمادة ثمينة ومحببة، صعبة الاستخراج أو التكرير (من قصب السكّر). لكن هذا الإرث تحوّل إلى "إدمان" مكروه نراه في المبالغة في سكر الشاي والقهوة والحلويات كجزء من طقوس الاستمتاع اليومي.
ولأنّ الوعي الصحي متنام فإن استهلاك السكر يواجه ضغوطاً متزايدة. من هنا جاء التوسع في فرض "ضرائب السكر" التي تهدف لتقليل الاستهلاك لتجنب الضرر الصحي. ولا غرابة أن الثقافة التي تتغزل بالسكر تتجه بدورها إلى التغيير وقد تصبح قريبا مبتذلة، أو "كرينج" -وهو المصطلح الإنجليزي المنتشر لدى الشباب حاليا- ويعني الشعور بالإحراج الشديد والتقزز من التصنع في الرومانسية المفرطة.
جالت في خيالي هذه القيم الثقافية النمطية عندما تابعتُ مؤخرا في دبي بدء الحكومة في فرض ضريبة متدرجة على السكر تشمل كافة المشروبات المُحلاة والمنتجات التي تحتوي على سكر مضاف، وذلك بهدف الحد من استهلاك المواد الضارة وتحسين الصحة العامة؛ وانطلق تنفيذها بالفعل أول يناير 2026، حيث انتقلت من الضريبة الانتقائية الثابتة القديمة بنسبة 50% إلى نظام يعتمد على محتوى السكر/المُحلي الفعلي لكل 100 مل، مع زيادة الضريبة على نسبة السكر في المنتجات. في المقابل، ستُعفى المشروبات ذات المحتوى المنخفض من السكر (مثلًا، أقل من 5 غرام/100 مل)، أو ستخضع لضريبة أقل حسب نوع المنتج والضريبة التي كان يخضع لها من قبل.
طبعا دبي تسلك اتجاها دوليا محمودا في الوقت الذي مازال المتوسط العالمي لاستهلاك الفرد من السكر سنوياً مرتفعا جدا (21.7 كيلوغرام أو ما يعادل 60 غراماً للفرد يومياً) يرتفع هذا المعدل بشكل حادّ ويصل لحوالي الضعف، في الولايات المتحدة وألمانيا تحديدا وهما يسجلان أعلى معدلات استهلاك من السكر للفرد يومياً (حوالي 110 غرامات).
هذه الأرقام كارثية وفقا لتوصيات منظمة الصحة العالمية بخفض الاستهلاك (حوالي 25 غراماً فقط أي ما يوازي 6 ملاعق صغيرة فقط يومياً) وهو نصف المعدل المسموح به سابقا (50 جراما يوميا للفرد البالغ الذي يستهلك 2000 سعر حراري)، وذلك حرصا على الحد من السمنة والحماية من تسوس الأسنان والصحة العامة.
ويتضح أن الفجوة كبيرة وخطيرة في مدلولها ما بين التوصيات الصحية العالمية والاستهلاك الفعلي الحالي، حيث يفوق المسموح به بعدة أضعاف في بعض البلدان، مما يهدد بزيادة الأمراض المزمنة وتدهور الوضع الصحي.
لكن قد يرى البعض أن فرض دبي وعدة بلدان أخرى ضرائب على السكر لن يشجع المستثمرين في ضخ استثمارات جديدة أو تنمية مشروعاتهم. لكن ليس أمام الشركات الآن في ضوء هذا الاتجاه العالمي سوى تعديل مواصفات المنتجات، وحتى تلتزم بذلك سوف تدفع ضرائب إضافية، ستستفيد منها الحكومة لتمويل أنظمة الرعاية الصحية وتقليل الضغط عليها الناتج عن زيادة مرضى السكرى والقلب وغيرها من الأمراض المزمنة.
وسوف تحرص الشركات المصنعة على إعادة صياغة تركيبات المشروبات لتقليل كميات السكر في منتجاتها، مع ضرورة تحديد نسبة السكر في ملصقات المنتجات لتكون واضحة للمستهلكين بما يُفيد صحتهم، أو سداد ضرائب أكثر بما يفيد الخزينة العامة للدولة.
وتعول الدولة على أن يساهم هذا التغيير في رفع مستوى الوعي حول استهلاك السكر والمشاكل الصحية المرتبطة به لخفض السمنة والأمراض المزمنة، كما تدعم هذا المنحى من خلال حملات توعوية للمواطن حتى يختار البدائل ذات المواصفات الصحية الأفضل.
وانخرطت العديد من الدول ضمن هذا الاتجاه العالمي للحد من السكر في المنتجات بفرض ضريبة محددة، منها دول مجلس التعاون الخليجي والدول المغاربية، والمملكة المتحدة بنظام متدرج منذ 2018 (Tiered Sugar Tax)، وفرنسا والمجر -ضمن أوائل دول المجموعة الأوروبية - تلتهما أيرلندا، البرتغال، بلجيكا، وفنلندا.
في حين لا توجد في الولايات المتحدة ضريبة اتحادية شاملة، لكنها مطبقة فقط في بعض الولايات فقط، مثل فيلادلفيا وسياتل، عكس المكسيك السباقة ضمن القارة الأمريكية في فرض ضريبة على المشروبات السكرية لمكافحة السمنة. ولا تزال مصر في مرحلة دراسة واقتراح تشريع جديد للضريبة الانتقائية يستهدف المشروبات المحلاة تحديداً لأغراض صحية.
وكما هو واضح فإن فرض هذه الرسوم ليس مجرد ضريبة مالية، بل أداة لتحسين السياسة العامة وتوجيه المجتمع نحو نمط حياة أكثر استدامة وصحة. وتلعب الإيرادات الضريبية الإماراتية (بما فيها الصحية مثل السكر والتبغ) دوراً حيوياً في تمويل الميزانية الاتحادية المعتمدة (إيرادات ومصروفات) لعام 2026 والبالغة 92.4 مليار درهم. وتؤكد وزارة المالية أن هذه الضرائب لا تهدف فقط للربح المادي، بل لتقليل تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بالأمراض الناتجة عن السكر وتساهم بحوالي 4.5% من إجمالي الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية وفقا لأرقام 2025. ويبدو أننا سنودع "سكر معقود" و"عسل" و"شربات" وننادي أحبتنا مثل الشباب بـ "جوّي" و"سندي" و"نسختي"...!












01/17/2026 - 10:49 AM





Comments