كلمة ترحيب من إدارة التحرير
تتشرّف إدارة التحرير في بيروت تايمز بالترحيب بالكاتب والباحث رشيد ج. مينا، الذي ينضمّ إلى أسرة الصحيفة بقلمه الرصين ورؤيته الفكرية العميقة في قضايا الدولة والوعي العام والتحوّلات السياسية في لبنان والعالم العربي.
إن حضور الأستاذ رشيد ج. مينا بين كتّابنا يشكّل إضافة نوعية للمسار الإعلامي الذي نحرص عليه، ومساحة جديدة للحوار المسؤول القائم على التحليل الهادئ، والقراءة المتأنّية، والالتزام بقيم الحقيقة والضمير.
نثمّن عاليًا اختياره بيروت تايمز منبرًا لأفكاره، ونرى في مساهماته المرتقبة فرصة لتعزيز رسالتنا المشتركة في بناء وعي عام ناضج، وإضاءة مسارات التفكير في زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتشتدّ الحاجة إلى صوت عقلاني وموضوعي.
أهلاً بكم في بيتكم الإعلامي، إدارة التحرير – بيروت تايمز
----------------------------------------------------------------------------------------
رشيد ج. مينا *
ما نشهده اليوم من سلوكٍ سياسي، فرديًّا كان أو تنظيميًّا، مهما تنوّعت تسمياته بين حزب وحركة وتيار وتنظيم، ومهما تعدّدت عناوين الغياب والعودة، والتجديد والتعليق، والتجميد وإعادة النشاط أو الهيكلة، إنما يدور في غالبيته ضمن نهج طائفي أو مذهبي أو شخصاني أو توريثي. وهو أمرٌ محزن، لكنه للأسف غير مستغرب في واقع لبناني تحكمه هذه السلوكيات، حيث يغيب الفكر والأيديولوجيا والبرامج، أو تُستعمل في أفضل الأحوال كديكور حزبي أو زعاماتي لا أكثر.
في هذا الواقع، يُتعاطى مع الشعب لا بوصفه صاحب السيادة والقرار، بل كقطعان تُستدعى عند الحاجة، أو أرقام انتخابية تُستثمر للوصول إلى المراكز والمناصب السلطوية والزعامات الطائفية والمذهبية.
أي عمل عام هذا؟ وأي مسؤولية؟ وأي قيادة أو تنظيم يتقدّم أو يتراجع، يستنكف أو يستأنف، يجمّد أو ينشط، لا انطلاقًا من قراءة وطنية للمصلحة العامة، بل تبعًا لإشارات الخارج ودعمه، وخدمةً لأجنداته مقابل حصص ومواقع ونفوذ.
ولا يمكن فصل هذا السلوك السياسي المنحرف عن منظومة كاملة أُنشئت عمدًا لإبقاء لبنان في حالة تعطيل دائم، حيث تُدار الحياة السياسية بمنطق إدارة الأزمات لا حلّها، واستنزاف المجتمع لا تمكينه، وتدوير الطبقة نفسها لا محاسبتها.
منظومة تُفرغ المفاهيم الكبرى من مضمونها، فتتحوّل الديمقراطية إلى إجراء شكلي، والسيادة إلى شعار، والإصلاح إلى وعد مؤجّل، بينما القرار الفعلي يُصاغ في الغرف المغلقة، ويُربط بموازين القوى الخارجية وتقاطعاتها.
في ظل هذه المعادلة، يصبح أي حديث عن تغيير من داخل النظام نفسه ضربًا من الوهم، ما لم يُكسر هذا المسار جذريًا عبر وعي شعبي منظم، قادر على فرض أولوياته الوطنية، واستعادة السياسة كفعل عام أخلاقي ومسؤول، لا كمهنة للارتزاق أو وسيلة للهيمنة.
إن ما نراه اليوم يستوجب وعيًا شعبيًا جديدًا، منطلقه المصلحة الوطنية لا المصالح الخارجية، والانخراط في عمل تشاركي وطني يقوم على أسس ديمقراطية وبرامج تغييرية، لا طائفية ولا مذهبية ولا شخصانية أو توريثية.
التغيير الحقيقي يبدأ من هنا:
من إعادة الاعتبار لفكرة الدولة وبناء مؤسساتها، وتطبيق الدستور وتطويره وتحديث القوانين، وقيام سلطة واحدة على كامل الأراضي اللبنانية، لا شراكة فيها مع الميليشيات ولا مع الدويلات داخل الدولة.
دولة العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، بقضاءٍ نزيه ومستقل عن السلطة والوصايات والتدخلات، وبمؤسسات عسكرية وأمنية شرعية تكون وحدها صاحبة السلاح والقرار.
وفي هذا السياق، تبقى أولوية وقف العدوان والعربدة الإسرائيلية وتحرير المناطق المحتلة أمرًا لا يقبل المساومة، وفق اتفاق الهدنة والقرارات الدولية ولا سيما القرار 1701، على أن يكون الجيش اللبناني حامي الحدود وضمانة جميع اللبنانيين، مع توفير كل أشكال الدعم له ليقوم بواجباته كاملة.
----------------------------------------------------------
* رشيد ج. مينا يُعدّ واحدًا من الأصوات البحثية اللبنانية التي تجمع بين العمق الفكري والقراءة التحليلية للواقع السياسي. يكتب في قضايا الدولة والحوكمة والوعي العام، ويركّز في أعماله على فهم التحوّلات السياسية والاجتماعية في لبنان والعالم العربي، من منظور يوازن بين التاريخ والراهن، وبين الفكر والممارسة.
تميّزت كتاباته بقدرتها على تفكيك الظواهر السياسية المعقّدة بلغة واضحة ورصينة، مع اهتمام خاص بدور الدولة، وبناء الوعي الجماعي، وتأثير الأزمات المتراكمة على الهُوِيَّة الوطنية ومسار الإصلاح. كما يتناول في مقالاته العِلاقة بين المواطن والدولة، وأثر السياسات العامة على المجتمع، إضافة إلى قراءات معمّقة في التحوّلات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان والعالم العربي والدولي.
يُعرف رشيد ج. مينا بنهجه الهادئ والموضوعي، وبقدرته على الربط بين التحليل الفكري والواقع العملي، ما يجعل كتاباته مرجعًا للمهتمين بفهم المشهد اللبناني والعربي من زاوية نقدية بنّاءة، تُعلي من شأن العقل والحوار والمسؤولية العامة.












01/16/2026 - 16:29 PM





Comments