بين الجهد الذهني والمتعة اللحظيّة... اللبنانيّون يختارون أسلوب الاستهلاك السريع الصورة

01/16/2026 - 15:45 PM

Bt adv

 

 

ربى ابو فاضل 
 
نعيش اليوم في إيقاع متسارع كأن الزمن انكمش من أربعٍ وعشرين ساعة إلى بضع دقائق متلاحقة، حيث بات كل شيء يستهلك على عجل الخبر والفكرة والمشهد وحتى المشاعر، لم نعد نبحث عن المعرفة بعمق، وقد نكتفي بصورة أو مقطع "فيديو"، بدل الفهم والتحليل. فمع التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي، أصبحت الصورة الأداة الأقوى في تشكيل الوعي العام وصناعة المزاج الاجتماعي، عبر شاشات الهواتف الذكية، التي باتت النافذة الأساسية التي يطل منها الأفراد على العالم.
 
وفي لبنان، بلد الأزمات المتراكمة، يميل جزء واسع من المواطنين إلى استهلاك محتوى خفيف وسريع، تحت ضغط الواقع المعيشي وتزاحم الأزمات اليومية، ما ينعكس في تراجع الإقبال على النصوص والتحقيقات المتعمقة، والاتجاه إلى الصور والفيديوهات القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، غير أن هذا التحول لا يقتصر على لبنان، بل يندرج ضمن مشهد عالمي تفرضه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
 
شهادات
يؤكد مجد وهو صاحب محل أن "أغلب الناس اليوم يتفاعلون مع الصور والفيديوهات أكثر من النصوص، فإذا كانت المعلومات مكتوبة قل الاهتمام حتى لو كانت مهمة".
 
أما سارة وهي موظفة في القطاع الخاص، فتشير إلى أنها نادرا ما تقرأ المقالات الطويلة، "النص يحتاج إلى تركيز ووقت، لذا اكتفي بالصورة أو الفيديو".
 
من جهتها، تقول هالة وهي طالبة جامعية "جيلنا تعود المحتوى السريع، الصورة تشدني أكثر من مقال طويل حتى لو كان مهما".
 
أما ايلي وهو متقاعد فيلفت إلى أنه يمرر الأخبار بسرعة، أما الفيديوهات القصيرة فتعطيه الفكرة بسرعة ومن دون تعب، مضيفا "إذا لم أفهم من الصورة في ثوان، أنتقل إلى غيرها".
 
وتقول شذى، صحافية مستقلة، "حتى في عملي أجد أن المقالات الطويلة تلاقي صعوبة في الوصول للجمهور، بينما صورة واحدة أو مقطع قصير ينتشر بسرعة ويجذب التفاعل".
 
ويؤكد محمد، مدون وصانع محتوى، أنه يحب أن يشارك كل لحظة من حياته، فمن وجه نظره يرى أن الناس تهتم أكثر بالصور، "عدد اللايكات على الصور يجعلني أستمر، بينما المقالات والمحتوى الطويل لا تحصل على أي تفاعل تقريبا".
 
الهروب من الجهد الذهني
 
وفي هذا السياق، أكدت خبيرة التسويق الرقمي واستراتيجياته جسيكا أبو حيدر مطر أن "الانتباه يشكل دائمًا جوهر إيصال الرسائل، إلا أن المنصات الرقمية أعادت صياغته بوتيرة أكثر تسارعا، مانحة الصورة والفيديو القصير أفضلية واضحة"، مشيرة إلى "أن منطق التمرير السريع جعل الثواني الأولى حاسمة في جذب المتلقي، ما ساهم في تراجع الإقبال على النصوص الطويلة والتحليل العميق، وتحويل الانتباه إلى سلعة تخضع لمنطق السرعة والإشباع الفوري".
 
وتوضح أن "خوارزميات المنصات تحاصر المستخدم داخل ما يعرف بـ "غرف الصدى"، حيث يعرض عليه محتوى ينسجم مع قناعاته فقط ما يعمق الاستقطاب، ويحد من التعرض للآراء المختلفة، ويضعف النقاش العام المتوازن"، مشيرة إلى أن "تفضيل الصورة على الكلمة ليس ظاهرة جديدة فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، بل نزعة قديمة مرتبطة بسعي الإنسان إلى الترفيه والهروب من الجهد الذهني، كما يفسر انتشار المجلات المصورة والقصص المرئية تاريخيا مقارنة بالكتب الثقيلة".
 
آليات "المكافأة النفسية"
 
واضافت إن "الأنظمة التعليمية ساهمت بدورها في ربط القراءة بالإلزام والتقييم، ما أفقدها بُعدها المعنوي في أوقات الفراغ، لتأتي المنصات الرقمية وتستثمر هذا الميل القائم، معززة إدمان المحتوى السريع، بدل خلقه من العدم، إذ يستخدمها معظم الناس أساسا للتسلية والتفاعل الاجتماعي، لا لاستهلاك المعرفة المعمقة.
 
واشارت مطر إلى أن "عددا من الدراسات يربط بين التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، وآليات "المكافأة النفسية"، حيث يدفع السعي وراء الإعجابات والتعليقات والمشاركات المستخدمين إلى تفقد حساباتهم بشكل متكرر، ما يعزز التعلق بالمنصات ويؤثر في السلوك الرقمي، من خلال زيادة الحاجة إلى ردود الفعل الاجتماعية الفورية"، مضيفة "العديد من الدراسات الطويلة على الجيل المولود في عصر الشاشات (من 15 إلى 25 عاما)، تشير إلى تأثير هذه البيئة الرقمية في القدرة على التفاعل الاجتماعي والانفعالات العاطفية، كما تعزز أحيانا السلوك العدواني أو الاستفزازي في التعليقات عبر المنصات، خاصة مع غياب التواصل الوجهي".
 
ووفقا لدراسة منشورة في مجلات MDPI " Multidisciplinary Digital Publishing Institute" حول أنماط التفاعل على فيسبوك تحصد المنشورات المصحوبة بالصور النسبة الكبرى من التفاعل (نحو 52%)، تليها الفيديوهات (30%)، فيما تتراجع المنشورات النصية أو الروابط إلى أقل من 18%.
 
هيمنة الصورة على حساب الصبر
 
من جانبها، أكدت المستشارة التربوية والنفسية في جمعية "إثراء لبنان" سمر رحمة، أن الصورة تؤثر نفسيا بشكل أسرع من الكلمة، إذ تلتقط الانتباه فورا وتحرك المشاعر قبل التفكير والتحليل، بينما يحتاج النص إلى وقت وتركيز"، وترى أن "هذا يمنح الصورة أفضلية في الإعلام والتدريب والعروض التقديمية، من دون أن يلغي قيمة الكلمة المكتوبة بأسلوب جذاب، غير أن ثقافة السرعة والاستهلاك الفوري عززت هيمنة الصورة على حساب الصبر المطلوب للقراءة المتعمقة.
 
ويشير علماء النفس المعرفي إلى أنه في ظل الأزمات المركبة في لبنان، يميل كثيرون إلى البحث عن المتعة اللحظية والهروب المؤقت، بدل الانخراط في نصوص تتطلب تأملا وتحليلا معمقا، إذ يعالج الدماغ الصورة في أجزاء من الثانية، فيما يحتاج النص إلى وقت وتركيز وجهد ذهني.
 
ويحذر العلماء من أن الانخراط المكثف في مشاهدة الفيديوهات القصيرة على منصات، مثل "تيك توك" و "إنستغرام" و "يوتيوب"، يرتبط بتراجع في القدرات الإدراكية والصحة النفسية، مع ضعف الانتباه وارتفاع مستويات القلق والتوتر.
 
أما على الصعيد التعليمي فأشارت مطر إلى أن "صعوبة التركيز لدى بعض الطلاب، تجعل قدرتهم على الانتباه لفترات طويلة محدودة، إذ قد يمتلك مراهق عمره 15 سنة تركيزا أقرب إلى طفل صغير". وتوصي "ببرامج تعليمية تدريجية تبدأ بأنشطة قصيرة وتتدرج إلى محتوى أطول، مثل مشاهدة أفلام نصف ساعة أو قراءة نصوص أطول، لتدريب الدماغ على الاستيعاب والانتباه لفترات ممتدة".
 
وتوضح أن "وسائل التواصل الاجتماعي تقدم المعرفة غالبا بشكل سطحي وسريع، ما يسهل الوصول إلى معلومات مباشرة ومتنوعة، لكنه يقلل من التعمق في الدراسات والمقالات والأبحاث"، وتشير إلى أن "هذا النمط يعزز الاستهلاك الفوري، ويحد من صبر الأجيال على متابعة الأفكار الكبيرة والمعقدة، مثل الأسئلة الفلسفية أو التطورية أو الدينية، ما يجعل الثقافة الرقمية غالبا تجربة سطحية، رغم توافر المحتوى الغني والمتخصص، على عكس ما تحققه برامج مثل البودكاست التي تتطلب وقتا وانتباها أكبر".
 
الرهان على الكلمة
 
وترى مطر أن "الذكاء الاصطناعي لا يلغي المحتوى الثقافي أو المعرفي، بل يعيد تنظيمه رقميا، بطريقة تسهل الوصول إليه، وتتيح انتشارا أوسع للثقافات المختلفة. ومع ذلك، تبقى الكلمة المكتوبة يدويا محتفظة بمكانتها، إذ يرتبط تقديرها بالجودة والإتقان واللمسة البشرية، تماما كما يحظى العمل اليدوي بقيمة أعلى رغم توافر النسخ الآلية".
 
وتؤكد أن "الحفاظ على الكلمة المفيدة، يتطلب تقديم المحتوى بطريقة جذابة تشد القارئ، مثل استخدام التشويق أو دمج الصورة مع النص"، معتبرة أن "الصورة لا تتنافس مع الكلمة بل تكملها"، وتضيف إن "الدراسات تشير إلى أن استخدام الشاشات في التعليم، يقلل من استيعاب الطلاب مقارنة بالقلم والورقة"، لذلك توصي "بمنع استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية في الصفوف، وإعادة تفعيل نظام الندوات والحوار المفتوح، لتمكين الطلاب من التركيز والقراءة النقدية والتفاعل العميق، بعيدا عن الانشغالات الرقمية".
 
وترى أن "إنشاء منصات بديلة للمحتوى الطويل ممكن، لكنها لن تحل مكان منصات التواصل الاجتماعي، التي تخدم أهدافا مختلفة كالتسلية والتواصل، لذا يمكن تطوير منصات مخصصة للتحليل العميق أو التعلم، لتلبية حاجات جمهور يبحث عن محتوى معرفي أطول".
 
وشددت مطر على "ضرورة إعادة النظر في المناهج التعليمية، لتعزيز الرغبة في القراءة والتعلم منذ الصغر، مع تقليل الاعتماد العشوائي على التكنولوجيا"، مشيرة إلى تجارب دولية مثل أوستراليا التي حددت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما، مؤكدة أن "تعزيز التركيز والقراءة يتطلب جهودا وطنية متكاملة بين المدارس ووسائل الإعلام".
في النهاية، يبقى الرهان اليوم على الكلمة التي تبني الفهم والنقد ، فالمعرفة لا تصنع بالتمرير السريع، بل بالتمعن والتفكير
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment