الدكتور مهى مراد
اللامركزية الإدارية: الطريقُ نحو الإصلاح في لبنان…
يُطرح اليوم في الواقع اللبناني سؤالٌ جوهريّ لا يمكن تجاهله: هل الأحزابُ السياسية راضية عن فكرة التقسيم؟ بل هل تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دفع البلاد نحوه؟
إنّ المشهد العام يوحي بأنّ الانقسامات السياسية والطائفية لم تعد مجرّد اختلافات في الرأي، بل تحوّلت إلى أدوات ضغط ومصالح تُدار على حساب وحدة الدولة ومستقبل الشعب اللبناني.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤلٌ لا يقلّ أهمية: لماذا ترفضُ معظم الأحزاب السياسية اللامركزيةَ الإدارية؟ أهو لأنها تشكّل تهديدًا حقيقيًا لنفوذها؟
فاللامركزية، بخلاف التقسيم، لا تعني تفكيك الدولة، بل تعني نقل القرار إلى الناس، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها بعيدًا من منظومة الفساد المتجذّرة في المركز. ما يطالب به اللبنانيون ليس انقلابًا على الدولة، بل إصلاحًا إداريًا وسياسيًا حقيقيًا يضع حدًا للفساد المستشري، ويعالج المشاكل البنيوية الكبرى، وفي مقدّمها الفجوة المالية الهائلة التي دمّرت الاقتصاد، وأفقرت الناس، وبدّدت أموالهم ومدّخراتهم. ولا يمكن الحديث عن الإصلاح من دون التوقّف عند جريمتين تُعدّان الأخطر في تاريخ لبنان الحديث:
الأولى، الانهيار المالي الذي لم يكن قضاءً وقدرًا، بل نتيجة سياسات فاسدة ومتواطئة. والثانية، جريمة تفجير مرفأ بيروت، التي لم تُحاسَب بعد، وكشفت حجم الإهمال والاستهتار بأرواح اللبنانيين.
وعلى عكس ما تحاول بعض القوى الترويج له، فإنّ الشعب اللبناني لا يريد التقسيم. اللبنانيون يريدون العيش المشترك الحقيقي، كما دعا إليه الإمام السيد موسى الصدر، عيشًا يقوم على الشراكة والعدالة والاحترام المتبادل، لا على المحاصصة والخوف والانقسام. فلبنان، بتاريخه وتركيبته، أصغر من أن يُقسَّم، وأكبر من أن يُختصر بمصالح أحزاب أو زعامات.
ويؤكّد الدستور اللبناني هذا المبدأ بوضوح، إذ تنصّ مقدّمة القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 على أنّ لبنان وطنٌ سيّدٌ حرٌّ مستقلّ، وطنٌ نهائي لجميع أبنائه، واحدٌ أرضًا وشعبًا ومؤسسات، ضمن حدوده المعترف بها دوليًا. وهو وطنٌ عربي الهوية والانتماء، جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي. كما أنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، وإلغاء الطائفية هدف وطني أساسي يُفترض العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، ولا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
من هنا، يتبيّن أنّ التقسيم لا يخدم إلا القوى السياسية التي تستثمر في الانقسام، بينما اللامركزية الإدارية تشكّل مدخلًا حقيقيًا لإحياء الدولة، وتمكين الناس، وتعزيز المحاسبة والشفافية ضمن دولة واحدة موحّدة. أمّا الواقع الحالي، فيوحي بأنّ معظم القوى السياسية متواطئة على حساب الشعب، عبر صفقات وتسويات وتعطيل متعمّد لأي تغيير حقيقي يهدّد منظومة المصالح القائمة.
وباختصار، لبنان لا يحتاج إلى تقسيم، بل إلى دولة عادلة. لا يحتاج إلى شعارات طائفية، بل إلى إصلاح فعلي. ولا يحتاج إلى أحزاب تحمي نفسها، بل إلى نظام يحمي شعبه.
اللامركزية الإدارية هي مدخل للحل، أمّا التقسيم فهو اعتراف بالفشل.












01/16/2026 - 13:36 PM





Comments