الإنسانُ في صِراعٍ مُستمرٍّ مع اللَّه، لا لأنَّ اللَّه يُضايِقُه، بل لأنَّه يَخافُ أن يَخسَرَه. يَخشى أن يُحِبَّه دونَ أن يُسَيْطِرَ عليه، وأن يُطيعَه دونَ أن يُلغي ذاتَه، وأن يَنتمي دونَ أن يَذوب. يَرى في الطّاعةِ قَيْدًا، وفي المَحبّةِ ضَعفًا، وفي العَلاقةِ تَبَعِيّةً تُهَدِّدُ عَرشَه الدّاخليّ، فيَثور، لا على اللَّه فقط، بل على فِكرةِ وجودِ مَن هو أَسمى منه.
 
وهكذا يَركُضُ الإنسانُ نحوَ وَهمِ الحُرِّيّة، فيُنَصِّبُ نفسَه إلهًا على عَرشِ ذاتِه، يَعبُدُ رَغباتِه، ويَصوغُ قوانينَه، ويُنكرُ كلَّ مَرجِعيّةٍ سوى أهوائِه.
 
لكنَّ الحُرِّيّة، حينَ تُفصَلُ عنِ الحُبّ، تَتَحوَّلُ إلى سَيْفٍ على الرِّقاب، وإلى سِجْنٍ مُزَيَّنٍ بالمَرايا.
يُريدُ الإنسانُ أن يَخلُق، فيَخلُقُ صورةً مُشَوَّهَةً عنِ الحياة، ويُريدُ أن يُحَرِّر، فيُقَيِّدُ مَن أَحَبَّه يومًا، ويُريدُ أن يُحيي، فيَبكي أمامَ قَبْرٍ، ولا يَعرِفُ كيفَ يُدَحرِجُ عن بابِه الحَجَرَ.
 
يُريدُ أن يُشبهَ اللَّه، لكنَّه لا يَعرِفُ كيفَ يُحِبُّ دونَ أن يَجرَح، ولا كيفَ يَعيشُ دونَ أن يَخافَ منَ الموت. وفي كلِّ هذا، اللَّهُ لا يَضعُف، بل يَختارُ ألّا يَنتَصِرَ بالقُوّة. يُحِبُّ بصَمت، يَنتَظِر، ويَغفِرُ بلا شُروط، ويَعجَزُ عن إِجبارِ مَن أَحَبَّه على أن يُبادِلَه الحُبّ.
 
هذا هو عَجزُ اللَّه الحقيقيّ: عَجزُ الحُبِّ الكاملِ عن أن يُكرِه، وعَجزُ النُّورِ عن أن يَدخُلَ قلبًا أَغلَقَ نوافِذَه بنفسِه.
فالمأساةُ ليست أنَّ اللَّه يُقصَى، بل أنَّ الإنسانَ يَخسَرُ ذاتَه وهو يَظُنُّ أنَّه وَجَدَها بعيدًا عنه. أيَّةُ حُرِّيّةٍ هذه الّتي تَقودُ إلى العُبوديّة؟ وأيُّ انتِصارٍ ذاك الّذي يُفرِغُ القلبَ منَ الفَرَح؟ وأيُّ إلهٍ يَصيرُ الإنسانُ حينَ يَخلُقُ عالمًا لا يَعرِفُ غُفرانًا، ولا يَحتَمِلُ ضَعفَه، ولا يَرى الموتَ إلّا فَشلًا؟
 
يَبقى اللَّه واقفًا، لا عاجزًا عنِ الخَلق، بل عظيمًا في اختيارِه ألّا يُجبِرَ مَن خَلَقَه حُرًّا. فالحُبُّ لا يُفرَض، والنُّورُ لا يَقتَحِم، واللَّه، حينَ «يَعجِز»، لا يَنهَزِم، بل يُظهِرُ وَجهَه الأَكثَرَ بَهاءً: المَحبّةُ الّتي تَترُكُ بابَ القلبِ حُرًّا… ليَفتَح، أو لا يَفتَح.
 
عَجزُ اللَّه هو قِمّةُ مَحبّتِه، حينَ اختارَ ألّا يَفرِضَ ذاتَه على مَن خَلَقَه حُرًّا.
 
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ… إِذا تابَ