د. إسماعيل المسلماني *
إسرائيل تمرّ بمرحلة يمكن توصيفها كأزمة دستورية بنيوية، تتجاوز كونها خلافًا سياسيًا بين الحكومة والمحكمة العليا، لتلامس الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي برمّته. ففي ظل غياب دستور مكتوب، شكّلت المحكمة العليا على مدار عقود الآلية المركزية لضبط العلاقة بين السلطات عبر تفسير القوانين الأساسية وترسيخ مبدأ المعقولية وسيادة القانون. أي محاولة لتهميش هذا الدور، سواء عبر تشريعات تحصينية أو تجاهل مباشر لقرارات المحكمة، تعكس تحوّلًا في تصور السلطة ذاتها: من سلطة مقيدة بقواعد فوق سياسية، إلى سلطة تستمد شرعيتها الحصرية من الأغلبية البرلمانية. هذا التحول، إن اكتمل، لا يعني فقط إضعاف القضاء، بل إعادة تعريف جوهر النظام من ديمقراطية ليبرالية إجرائية إلى نظام أغلبي غير مقيّد.
على المستوى البنيوي، يؤدي تآكل مكانة المحكمة العليا إلى خلل عميق في مبدأ الفصل بين السلطات. فاندماج السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهو أمر قائم عمليًا في النظام البرلماني الإسرائيلي، يصبح مطلقًا في غياب رقابة قضائية فاعلة. عندها تتحول القوانين إلى أدوات سياسية آنية، وتفقد طابعها المعياري المستقر. هذا الواقع لا يهدد فقط حقوق الأقليات أو المعارضة، بل يقوّض ثقة الجمهور بالمؤسسات، ويخلق حالة من اللاتيقّن القانوني تؤثر على الاقتصاد، والأمن، والعلاقات الخارجية. كما أن تسييس الامتثال لأحكام القضاء يفتح الباب أمام ازدواجية في تطبيق القانون، حيث تُنفّذ الأحكام حين تخدم السلطة، وتُهمَل حين تتعارض مع مصالحها، وهو ما يشكّل سابقة خطيرة في أي نظام يدّعي الديمقراطية.
في ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات تحليلية للمسار القادم. السيناريو الأول يتمثل في ترسيخ واقع جديد تُفرَغ فيه المحكمة العليا من مضمونها الرقابي، ما يؤدي إلى نشوء نظام هجين يجمع بين آليات ديمقراطية شكلية وممارسة سلطوية فعلية، خاصة في القضايا الحساسة مثل محاكمة نتنياهو، قوانين التجنيد، وإعادة تعريف هوية الدولة. السيناريو الثاني يقوم على كبح هذا المسار عبر مقاومة مؤسسية وشعبية وضغوط دولية، تُعيد تثبيت المحكمة كسلطة فوق سياسية، وتفرض إعادة تفاوض غير مكتوبة حول قواعد اللعبة بين السلطات. أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في استمرار الصراع دون حسم، ما يفضي إلى شلل دستوري طويل الأمد، تتآكل خلاله شرعية المؤسسات كافة. في المحصلة، لا تمثّل هذه الأزمة لحظة عابرة، بل نقطة اختبار تاريخية ستحدد ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الحفاظ على نموذج دولة القانون، أم أنها تدخل مرحلة جديدة تُدار فيها الدولة بمنطق القوة لا بمنطق القواعد.
* مختص بالشان الإسرائيلي












01/15/2026 - 09:56 AM





Comments