د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
فشلت إسرائيل في تصفية القضية الفلسطينية، ووجدت جدارا عربيا يقف أمام استراتيجيتها التي استثمرت طوفان الأقصى 2023، وبعد إضعاف حزب الله وقدرات إيران المحورية في المنطقة والنووية في نفس الوقت، أرادت إسرائيل الثمن من السعودية عبر التطبيع وفق المبادرة الإبراهيمية التي دعمها ترمب في فترته الرئاسية الأولى، وطبعت دول عربية عديدة منها الإمارات والبحرين والسودان والمغرب إلى جانب اتفاقات السلام السابقة مع مصر عام 1978 ومع الأردن، لكن السعودية اتجهت عكس ما تريد إسرائيل بحشد العالم لإقامة الدولة الفلسطينية، ووصل عدد الدول التي وافقت على إقامة دولة فلسطينية نحو 153 دولة، وهذه المرة كان بتحالف سعودي فرنسي أربك خطط إسرائيل التي أعلنت عبر رئيس وزرائها نتنياهو عن إقامة إسرائيل الكبرى، فاتجهت إسرائيل عبر العباءة العربية الامارات من خلال اختراق المناطق الرخوة لدعم الفوضى والتقسيم ودعم الانفصاليين كما في ليبيا والسودان واليمن والصومال لمحاصرة السعودية ومصر اللتان رفضتا المشروع الإسرائيلي.
تعيد السعودية رسم الخرائط، خصوصا وأن السعودية ترفض الاصطفاف لا إلى الشرق الذي تود الصين وروسيا تتحركان لفرض موازنة معادلة جديدة في مواجهة الغرب، فيما ينحاز ترمب إلى جانب الشعب الإيراني كما وعد ريغان إلى هدم جدار برلين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ويود ترمب تغيير الشرق الأوسط لصالح أمريكا.
السعودية عملاق اتجهت إلى تثبيت أمن ضفتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج عدن وبحر العرب في مواجهة الدول التي تراهن على زعزعة استقرار هذه الدول من اجل تشكيل حزام ناري يطوق السعودية بشكل خاص ومصر، لكن السعودية تعتبر الضفة الأفريقية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي واليمن المطل على بحر العرب مجالا حيويا لأمنها القومي والعربي.
أثارت زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لواشنطن في 19 نوفمبر 2025 حفيظة عدد من الدول الإقليمية وعلى رأسها إسرائيل خصوصا عندما طلب سمو ولي العهد من الرئيس دونالد ترمب الانخراط في تسوية الحرب في السودان، حتى السعودية تحولت من دور الوسيط في جدة إلى دور الاصطفاف إلى جانب الحكومة الشرعية والجيش، ودعمه بأسلحة باكستانية بنحو 1.5 مليار دولار.
التحرك السعودية في 26 ديسمبر 2025 قبل أربعة أيام من الضربات السعودية التي شنت في جنوب اليمن شعرت إسرائيل أنها خسرت جنوب اليمن بعباءة عربية، فأقدمت إسرائيل على اعترافها باستقلال أرض الصومال، ادانت السعودية بشدة هذه المبادرة في بيان مشترك مع إيران وقطر وتركيا ومصر، حيث يشكل تمركز إسرائيل في جنوب البحر الأحمر خط احمر، خصوصا انها تراه تحالفا ضمنيا بين تل أبيب وأبو ظبي التي استحوذت على ميناء مدينة بربرة في 2016 وهي المدينة التي كشف الاستخبارات السعودية تهريب عيدروس الزبيدي في 7 يناير 2026 إلى هذه المدينة ثم إلى أبو ظبي، والسعودية كانت تتابع تصريحات عيدروس الزبيدي عندما صرح في أمريكا بقوله لو استطعت اقامة دولة في الجنوب العربي سأمضي على الاتفاقيات الإبراهيمية، أي أنه كان يبحث عن دعم إسرائيلي وأمريكي، لكن عيدروس الزبيدي لم يتمكن من تقدير المشهد الجيوسياسي، وان السعودية لن تترك المنطقة لعبة شطرنج كبيرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وبحر العرب الهدف منها محاصرة السعودية وكذلك مصر.
ترى إسرائيل تقزيم أبو ظبي على يد السعودية يؤدي إلى خسارة حليف قد تواجه تحديا وجوديا بعد رفض السعودية التطبيع معها وفي نفس الوقت رفض إسرائيل الاستجابة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ربما تفاجأ بما هو أخطر من حرب 1973 عندما أغلقت مصر قناة السويس، فيما تضغط السعودية على إسرائيل للقبول بالدولة الفلسطينية المستقلة ولم يعد أمامها الرفض بعد وصول عدد الدول في انحاء العالم 153 على إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
السعودية لا تبحث عن جيوش خارجية تتبعها مثل ما فعلت إيران، وما فعلت أبو ظبي، نفسها طويل، لكن حينما ترى العبث قد تجاوز حده تتمكن من إيقافه بتحرك بسيط، لقوة تأثيرها، تعرف متى تتدخل، ومتى تضع حدا للفوضى، أحيانا يظن البعض أن صبرها ضعف، لكن الجميع رأى راي العين كيف تبخرت الجيوش التي تم تدريبها على يد أبو ظبي سريعا، وضربة حاسمة أنهت عمليا سنوات من الاستثمارات العسكرية، وبشكل خاص خلال السنوات السبع الماضية، وحل المجلس الانتقالي بشكل سريع جدا.
بذلك تعيد السعودية رسم موازين الصراع الإقليمي في اليمن والقرن الأفريقي والسودان والصومال وتداعياتها على تحالف إسرائيل والإمارات، وهي بمثابة تحولات جيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، إذ تداعيات اليمن امتدت إلى الصومال بثقلها المالي والسياسي إلى جانب تركيا في خطوة تهدف إلى القضاء على أي نفوذ لأبو ظبي وإسرائيل خصوصا بعدما أعلنت مقديشو خروج الإمارات من الصومال بعدما استخدمت أراضيها خارج القانون وخارج سيادتها، وبات التحالف بين إسرائيل وأبو ظبي محاصرا في زاوية خطيرة.
يرى ترمب السعودية دولة محورية لا يمكن الاستغناء عن دورها في سعيها لترتيبات شرق أوسط مستقر بالتنمية بعيدا عن أي أحلام أيديولوجية أو ثورية، وهي منطقة في نفس الوقت تتنافس عليها القوى الدولية، وترى أن السعودية تعاملت مع ملفات إقليمية تدور في فلكها وفي مسؤولياتها الإقليمية، والسعودية لا تواجه التحالف الإسرائيلي الإماراتي في جنوب اليمن وفي القرن الأفريقي، بل تواجهه في إنهاء وجود المليشيات في السودان المدعومة من هذا التحالف خصوصا في المناطق المرتبطة بكردفان وهي حرب اندلعت في 15 أبريل 2023 أدى إلى فقدان الخرطوم سريعا وانتقال الحكومة إلى بورتسودان.
بذلك أفشلت السعودية الفرصة التي كانت تنتظرها إسرائيل في الشرق الأوسط بالشراكة مع دولة الإمارات بعد أن كانت إسرائيل ترى أنها قطعت بالفعل شوطا طويلا في هذا الاتجاه، نتيجة عمق الشراكة الاستراتيجية بينها وبين دولة الإمارات، بسبب أن إسرائيل تعتبر دولة الإمارات الحليف العملي الحقيقي الوحيد لإسرائيل في العالم العربي، وليس حليفا يتحدث بصوتين، على الأقل في هذه المرحلة، فالعقيد عميت يغور صرح لصحيفة معاريف عن تشكيل ثقل موازن لتركيا وقطر، بالإضافة إلى إيران الجديدة والسعودية، وهو يرى أن إسرائيل ستحصل على شرق أوسط جديد، فيما وصفت على ألسنة كثيرين بانها لا تتجاوز كونها حلما بل إن بعضهم عرفها بحسم وبقدر من عدم التواضع بأنها وهمية، وهذا ما أثبتته الأحداث الأخيرة بقيادة السعودية ان ما تتبناه إسرائيل مجرد أوهام وخيالات غير قابلة للتحقق على أرض الواقع بسبب أن السعودية تمتلك رؤية اقتصادية تلتقي مع مصالح الشرق والغرب.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى السعودية سابقا
Dr_mahboob1@hotmail.com












01/14/2026 - 19:27 PM
.jpg)




Comments