تحليل اخباري من اعداد ليلى ابو حيدر
في منطقة اعتادت العيش فوق خطوط الزلازل السياسية والعسكرية، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من التوتر قد تكون الأخطر منذ عقود. فالمؤشرات المتراكمة، من التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية إلى التصعيد السياسي والاقتصادي، كلها ترسم صورة قاتمة توحي بأن الحرب على إيران لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل تبدو أقرب من أي وقت مضى.
ومع كل يوم يمر، تتقلّص مساحة الدبلوماسية، فيما تتسع دائرة التحليلات التي تتحدث عن “ساعة صفر” تقترب بسرعة، وعن قرار عسكري قد يُتخذ في لحظة ما، في ظل حسابات معقدة تتجاوز حدود إيران لتشمل العراق، وسوريا ولبنان والخليج.
دور ترامب داخل سياق اقتراب الحرب
في موازاة التحركات العسكرية المتصاعدة، يبرز عامل سياسي مؤثر يتمثل في عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو عنصر يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد. فخلال ولايته السابقة، اتخذ ترامب موقفًا متشددًا تجاه إيران، انسحب من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات واسعة، واعتبر أن سياسة “الضغط الأقصى” هي الطريق لاحتواء طهران. كما شهدت تلك المرحلة واحدة من أخطر اللحظات بين الطرفين بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد، وما تبعه من ردود متبادلة.
اليوم، ومع عودته إلى السلطة، تتعامل الأوساط السياسية والأمنية مع احتمال أن تعتمد الإدارة الأميركية نهجًا أكثر صرامة تجاه إيران، خصوصًا فيما يتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. وتشير تحليلات متعددة إلى أن لغة ترامب الحادة، وتركيزه على استعادة الردع، ورغبته في إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط قد تجعل خيار العمل العسكري حاضرًا بقوة على طاولة القرار، سواء عبر ضربات محدودة أو عبر دعم تحرك إسرائيلي أوسع.
وتعتبر بعض الدوائر الدبلوماسية أن وجود ترامب في السلطة يرفع مستوى عدم اليقين، لأن مقاربته للملفات الأمنية غالبًا ما تتسم بالسرعة والحسم، ما يجعل المنطقة أمام مرحلة قد تشهد قرارات مفاجئة أو تحولات حادة في مسار التصعيد. وفي المقابل، ترى جهات أخرى أن ترامب قد يستخدم التصعيد كأداة ضغط دون الذهاب إلى حرب شاملة، بهدف انتزاع تنازلات من طهران أو إعادة التفاوض على اتفاق جديد بشروط مختلفة.
ومهما يكن الاتجاه، فإن عودة ترامب تضيف وزنًا سياسيًا كبيرًا إلى فرضية اقتراب المواجهة، وتدفع العديد من الأطراف الإقليمية إلى إعادة حساباتها، في وقت تبدو فيه المنطقة أصلًا على حافة الانفجار.
المظاهرات الأخيرة في إيران ومقتل آلاف المتظاهرين
في موازاة التصعيد العسكري والسياسي، لا يمكن تجاهل ما يجري داخل إيران نفسها. فالمشهد الداخلي يعيش منذ أشهر على وقع احتجاجات واسعة اندلعت في عشرات المدن، من طهران إلى مشهد، ومن الأهواز إلى تبريز، وصولًا إلى المناطق الكردية والبلوشية التي شهدت أعنف المواجهات. هذه الاحتجاجات، التي بدأت على خلفية مطالب اجتماعية واقتصادية، تحوّلت سريعًا إلى حركة غضب شعبية تطالب بتغيير جذري في بنية الحكم، في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
وتتحدث تقارير حقوقية وإعلامية عن مقتل آلاف المتظاهرين خلال الأشهر الماضية، في ظل حملة قمع وُصفت بأنها من الأعنف منذ عقود. ورغم غياب الأرقام الرسمية، تشير شهادات من الداخل إلى أن بعض المدن شهدت استخدامًا مفرطًا للقوة، بما في ذلك الرصاص الحي، والاعتقالات الجماعية، وقطع الإنترنت، وإغلاق المناطق التي شهدت أكبر موجات الاحتجاج.
هذه التطورات الداخلية لا يمكن فصلها عن المشهد الإقليمي. فإيران التي تواجه غضبًا شعبيًا متصاعدًا تجد نفسها في الوقت نفسه أمام ضغوط خارجية غير مسبوقة. ومع تزايد الحديث عن اقتراب عمل عسكري أميركي–إسرائيلي، يرى محللون أن الاحتجاجات الداخلية قد تُضعف قدرة طهران على امتصاص صدمة أي ضربة خارجية، أو على الأقل تجعلها أكثر حساسية تجاه أي تصعيد.
وفي المقابل، يخشى كثيرون من أن يؤدي أي هجوم خارجي إلى تفاقم الوضع الإنساني داخل إيران، حيث قد تستغل السلطات حالة الحرب لتشديد القبضة الأمنية، ما يضاعف معاناة المدنيين الذين يعيشون أصلًا تحت ضغط اقتصادي واجتماعي خانق.
وبينما تتحدث بعض المصادر عن أن “الآلاف قُتلوا”، يبقى المؤكد أن المجتمع الإيراني يعيش واحدة من أصعب لحظاته، وأن أي حرب محتملة ستضيف طبقة جديدة من الألم إلى شعب أنهكته العقوبات، والاضطرابات، والقمع، والضغوط اليومية.
البعد الإنساني… من سيدفع الثمن؟
وسط كل هذه التحركات العسكرية، يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف. فالحرب، إن اندلعت، لن تغيّر فقط خرائط النفوذ، بل ستغيّر حياة ملايين البشر.
1. الإيرانيون
يعانون أصلًا من عقوبات خانقة وتدهور اقتصادي. أي حرب ستزيد معاناتهم، وستحوّل مدنًا كاملة إلى أهداف محتملة.
2. العراقيون
يخشون أن تتحول بلادهم إلى ساحة مواجهة، وأن تعود التفجيرات والنزوح.
3. اللبنانيون
قد يجدون أنفسهم في قلب حرب جديدة إذا دخل حزب الله على الخط.
4. سكان الخليج
سيواجهون خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تأثيرات اقتصادية ضخمة.
المنطقة على حافة الانفجار
إنها لحظة دقيقة، وربما أخطر لحظة تمر بها المنطقة منذ سنوات طويلة. وكل المؤشرات تقول إن المنطقة تقترب من منعطف حاد، قد يفتح الباب أمام حرب لا يريدها أحد، لكنها قد تُفرض على الجميع.
ومع أن التحركات العسكرية توحي بأن ساعة الصفر تقترب، يبقى الأمل قائمًا بأن تجد الدبلوماسية طريقًا لتجنب كارثة جديدة، وأن تتذكر القوى الكبرى أن وراء كل معادلة عسكرية، هناك بشر ينتظرون فقط أن يعيشوا بسلام.












01/14/2026 - 18:40 PM





Comments