تحليل اخباري من اعداد الاعلامي جورج ديب
لا يمكن الجزم حاليًا بكل تفاصيل ما يجري من دون الرجوع الفعلي للمصادر، لكن يمكن تقديم قراءة تحليلية عامة، إنسانية وموسّعة، لدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الاحتجاجات الإيرانية ولمسألة تأخر الرد العسكري رغم وعوده العلنية بدعم المتظاهرين. هذه القراءة تحاول الربط بين الخطاب السياسي، حسابات القوة، والمأساة الإنسانية التي يعيشها الإيرانيون.
المشهد الإيراني: احتجاج يتحول إلى مأساة
تعيش إيران، منذ سنوات، دورات متكررة من الاحتجاج تتراكم فيها مطالب الناس من الاقتصاد إلى الحرّيات والكرامة السياسية. في موجة الاحتجاجات الأخيرة، يبدو أن الشارع خرج وهو يشعر أنّه وحيد في مواجهة آلة قمع أمنية لا تتردد في استخدام الرصاص والسجون والإعدامات.
الصور الخارجة من المدن الإيرانية – لو أمكن توثيقها بدقّة – تحكي عن جيل شاب يرفع شعار الحياة الطبيعية: فرص عمل، رفع القبضة الأمنية عن الحياة اليومية، وحقّ المرأة في جسدها وقرارها، وحق المجتمع في أن ينتقد السلطة دون أن يُتّهم بالخيانة أو العمالة.
هذه الاحتجاجات لا تحدث في فراغ؛ تراكم العقوبات، الفساد، سوء الإدارة، واستنزاف الموارد في مغامرات خارجية، كلّها تجعل أي هزة اجتماعية تتحول سريعًا إلى أزمة وجودية للنظام، وإلى مأساة إنسانية للناس في الشوارع.
خطاب ترامب: وعود ثقيلة على عاتق المحتجين
ترامب اختار أن يخاطب الإيرانيين مباشرة في أكثر من مناسبة، مستخدمًا لغة عاطفية وحادة في آن واحد: الحديث عن “الحرية”، عن “شجاعة” المتظاهرين، وعن أن “المساعدة في الطريق”. هذا النوع من الخطاب يحمّل كلمات الرئيس وزنًا هائلًا لدى المحتجين.
عندما يسمع متظاهر إيراني أنّ رئيس الولايات المتحدة يَعِد بالدعم، فهو لا يسمع فقط تضامنًا أخلاقيًا؛ بل يسمع، أو يتخيّل، أن خلف هذه الكلمات أقمارًا صناعية، وضغطًا دوليًا، وربما مظلة حماية تمنع السلطة من الذهاب إلى أقصى درجات العنف.
إعلان إلغاء الاجتماعات مع مسؤولين إيرانيين، والحديث عن أنّ النظام “سيحاسَب” إذا واصل القتل، يرسّخ انطباعًا بأنّ واشنطن انتقلت من سياسة الانتظار إلى سياسة الانحياز للشارع. وهنا ينشأ تناقض خطير: الشارع يرفع سقفه، متكئًا نفسيًا على هذا الدعم، بينما “الدعم” الفعلي ما زال في مرحلة التلويح والتهديد، لا في مرحلة الأفعال الملموسة.
لماذا تأخر الرد العسكري رغم الوعود؟
تأخر أي رد عسكري أميركي – رغم الخطاب المتشدد – لا يمكن قراءته فقط بوصفه تردّدًا أو ضعفًا، بل هو نتيجة تداخل ثلاثة مستويات من الحسابات:
حسابات الكلفة والجدوى
أي ضربة عسكرية ضد إيران ليست عملية جراحية بسيطة؛ إيران ليست دولة معزولة عسكريًا، بل هي لاعب إقليمي له أذرع في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقادر على الرد عبر وكلاء أو مباشرة.
الجنرالات والمستشارون عادة يحذرون من أن الضربة قد تفتح باب مواجهة واسعة، تجرّ قواعد أميركية وحلفاء إقليميين إلى دائرة النار، وربما تهدد إمدادات الطاقة والأسواق العالمية.
لهذا، يبقى السؤال داخل دوائر صنع القرار: هل فعلاً “تُنقِذ” الضربة المتظاهرين، أم أنها تنقلهم من مأساة داخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة يدفعون هم ثمنها أيضًا؟
البعد القانوني والشرعية الدولية
أي استخدام للقوة في دولة ذات سيادة يحتاج، كي يكون أقل كلفة سياسيًا، إلى غطاء ما: قرار من مجلس الأمن، تحالف دولي، أو على الأقل رواية قوية عن “حماية المدنيين من جرائم واسعة النطاق”.
في الواقع العملي، يصعب بناء إجماع دولي سريع على ضرب إيران، خاصة مع وجود قوى كبرى لا ترغب في رؤية واشنطن تكسب ورقة جديدة في الشرق الأوسط. هذا التعقيد القانوني – السياسي يبطئ خطوات أي قرار عسكري، حتى لو كان الرئيس يميل إليه خطابيًا.
الحسابات الداخلية لترامب نفسه
ترامب سياسي يعيش على الحافة بين استعراض القوة وتجنب الحروب الطويلة المكلفة. خطابه غالبًا أعلى بكثير من أفعاله العسكرية الفعلية؛ يضغط بالعقوبات، يهدد، يلوّح، ويترك الباب مواربًا أمام “صفقة كبرى” مستقبلية.
اتخاذ قرار بضربة عسكرية باسم “حماية المتظاهرين” يعني تحمّل مسؤولية كل ما يلي: سقوط صواريخ على حلفاء واشنطن، ارتفاع أسعار النفط، وربما توابيت تعود لجنود أميركيين. هذه مسؤولية ثقيلة، وقد تدفع أي رئيس – وليس ترامب وحده – إلى التردد والتأجيل، بل إلى استخدام اللغة العسكرية في الإعلام بينما يستمر في حسابات بطيئة داخل غرف مغلقة.
النتيجة أن الفجوة تتسع بين الوعد والواقع؛ بين جملة “المساعدة قادمة” على الشاشة، وبين غياب أي تغيير ملموس في حياة من يهتف في شوارع طهران أو الأهواز أو مشهد.
أثر هذا التأخر على المتظاهرين والضحايا
من زاوية إنسانية، تأخر الرد – أيًا كان شكله – يحمل آثارًا موجعة على من في الميدان:
أولًا: الإحساس بالخديعة أو التخلي
المتظاهر الذي رفع سقف تحديه للنظام، ربما تمادى في المخاطرة بحياته لأنه صدّق أن قوة عظمى تراقب ولن تسمح بالمجازر، يشعر اليوم أنه في الواجهة وحيدًا. تتحول الوعود الخارجية إلى صدى بعيد، يتلاشى أمام صوت الرصاص والسجون.
هذا الشعور يمكن أن يخلخل الثقة ليس فقط بواشنطن، بل بفكرة “المجتمع الدولي” ككل، ويعزّز رواية الأنظمة بأن العالم لا يهتم فعلًا بحياة الناس، بل يستخدمهم كورقة ضغط ثم يتركهم.
ثانيًا: تصاعد كلفة الاحتجاج إنسانيًا
كل يوم تأخير في حسم شكل الدعم – سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو تقنيًا أو حتى عسكريًا محدودًا – يعني يومًا إضافيًا للسلطة كي تعتقل قيادات، تُرهب الشوارع، وتُطفئ تدريجيًا نار الغضب بالقمع.
في هذه الأيام، يدفَع المتظاهرون الثمن مضاعفًا: السلطة تعاقبهم بوصفهم “محرّضين” و”عملاء للخارج”، فيما الخارج الذي وُظِّف اسمه في خطابهم لا يحضر إلا على شكل تصريحات.
ثالثًا: تثبيت معادلة العقاب بلا حماية
حين يرى النظام أن التهديدات الخارجية لا تتحول إلى أفعال، قد يقرأ ذلك بوصفه ضوءًا أصفر للاستمرار في القمع شرط أن لا يتجاوز خطًا أحمر غير واضح. هذه القراءة تشجع مزيدًا من العنف، وتغلق الهوامش الضيقة التي كانت متاحة لأي حل داخلي أقل دموية.
بين الأخلاق والسياسة: أين يقف دور ترامب؟
السؤال الجوهري هنا ليس فقط: لماذا تأخر الرد العسكري؟ بل: ما حدود المسؤولية الأخلاقية لرئيس دولة كبرى عندما يخاطب شعبًا تحت النار؟
من منظور سياسي بحت
يمكن القول إن ترامب يستخدم ملف الاحتجاجات كورقة ضغط في صراع مفتوح مع النظام الإيراني على النفوذ والملف النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي. في هذه المعادلة، الاحتجاجات ورقة قوة تفاوضية وليست بالضرورة “قضية إنسانية” مستقلة.
لذلك يُفهم الخطاب المرتفع: هو يضغط على طهران، يوجّه رسائل لحلفاء واشنطن، ويخاطب قاعدته الداخلية التي تحبّ صورة الرئيس القوي الذي يتحدى “أعداء أميركا”، من دون أن يعني هذا بالضرورة قرارًا بالدخول في حرب.
من منظور إنساني وأخلاقي
عندما يتوجّه رئيس أقوى دولة في العالم إلى شعب أعزل ويقول له ضمنًا: “واصلوا، نحن معكم، المساعدة قادمة”، فإن هذه ليست جملة عابرة؛ إنها تعهّد أخلاقي ضمني.
التراجع أو التأخير عن ترجمة هذا التعهد إلى خطوات ملموسة – حتى لو لم تكن عسكرية بالضرورة – يخلق شرخًا عميقًا بين خطاب القيم (الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان) وبين ممارسة السياسة الواقعية. هذا الشرخ يدفع كثيرين إلى التشكيك في معنى هذه القيم حين تأتي من الخارج.
في النهاية، يظهر دور ترامب في الاحتجاجات الإيرانية مركبًا:
ساهم خطابه في رفع معنويات جزء من الشارع، وفي إحراج النظام الإيراني دوليًا. في الوقت نفسه، خلق وعودًا ضخمة لم تُترجم بعد إلى حماية ملموسة للمتظاهرين، ما جعل بعض المراقبين يتحدثون عن استخدام معاناة الناس كورقة ضمن لعبة أكبر.
ما بين الرغبة الحقيقية لدى كثيرين في العالم برؤية الإيرانيين أحرارًا، وبين حسابات القوة الباردة في غرف القرار في واشنطن وطهران والعواصم الإقليمية، تبقى الحقيقة الأشد مرارة هي حياة الإنسان على الأرض: شابّ يخرج بشعار، يعود – إن عاد – بجسد مُثقل بالغاز والضرب، أو لا يعود أبدًا.












01/14/2026 - 11:31 AM
.jpg)




Comments