معتز فخرالدين
لم يعد ممكنًا مقاربة أزمات العالم العربي بوصفها نتاج لحظة سياسية عابرة، أو اختزالها في تدخلات خارجية مهما بلغت خطورتها. فمع تراكم التجربة التاريخية، يتبيّن أن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير، ويتمثّل في خلل بنيوي أصاب الفكر السياسي العربي ذاته، وفي الكيفية التي جرى من خلالها إنتاج السلطة وتبريرها، ثم إعادة إنتاجها اجتماعيًا وثقافيًا. ففكرٌ وُلد ليستجيب لتحديات مرحلة محدّدة، تحوّل مع الزمن إلى منظومة جامدة، استُخدمت لا لمساءلة الواقع، بل لتكريسه ومنحه شرعية مستدامة.
في هذا الإطار، يبرز الخوف بوصفه المبدأ الناظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع. فالحاكم يمارسه باسم الحفاظ على النظام والاستقرار، ورجل الدين يعيد إنتاجه بذريعة حماية الدين والهوية، فيما قد يمارسه المثقف، أحيانًا، تحت شعار محاربة التخلّف أو الجهل. وبذلك، لا يعود الخوف أداة استثنائية تلجأ إليها السلطة عند الضرورة، بل يتحوّل إلى آلية دائمة لإدارة المجتمع وضبطه، تتسرّب إلى المجال العام وتنعكس في السلوك اليومي للأفراد والجماعات.
تكمن خطورة هذا النمط من الحكم في أنّه لا يكتفي بقمع الحرية، بل ينجح في تحويل الاستبداد إلى ثقافة عامة. فحين يُعاد إنتاج الخوف بوصفه قيمة “واقعية” أو “ضرورية”، يصبح جزءًا من الوعي الجمعي، ويتحوّل المجتمع نفسه، بوعي أو من دونه، إلى شريك في استدامته. عندها لا يعود الاستبداد حكرًا على الحاكم، بل يتوزّع على البنية الاجتماعية بأكملها؛ وإذا كان أهل الحكم يحتكرون السلطة، فإن أهل التطرّف يحتكرون الحقيقة، ويُغلق المجال العام بين استبداد القوة واستبداد اليقين.
هنا تحديدًا تبرز مسؤولية النخب السياسية والدينية والثقافية. فاستمرار الاستبداد لا يقوم بالقوة العارية وحدها، بل يحتاج إلى شرعنة فكرية وأخلاقية، توفّرها خطابات التبرير أو الوصاية أو الصمت. وحين يتخلّى المثقف عن دوره النقدي لصالح دور الوصيّ على وعي المجتمع، وحين يتحوّل الخطاب الديني إلى أداة ضبط تُغلِق باب الاجتهاد، وحين تُختزل الدولة في شخص الحاكم، يصبح الاستبداد منظومة متكاملة لا مجرّد انحراف سياسي قابل للإصلاح السريع.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل دور القِوَى الخارجية، ولا سيما الغربية، في دعم أنظمة الاستبداد في العالم العربي. غير أنّ اختزال الأزمة في العامل الخارجي وحده يفضي إلى قراءة مريحة لكنها قاصرة. فالاستعمار، في تجاربه القديمة والحديثة، لم يُنشئ الاستبداد من العدم، بل وجده قائمًا ومتجذّرًا، فاستثمره وغذّاه. فمع الاستبداد يستمر الفقر والتخلّف، ويُدار المجتمع بالخوف، وهي الشروط الأمثل لإدامة السيطرة والهيمنة بأشكالها المختلفة. من هنا، تبدو العِلاقة بين الداخل والخارج عِلاقة تواطؤ وظيفي أكثر منها عِلاقة فرض أحادي الجانب.
انطلاقًا من ذلك، تصبح معركة الحرية في العالم العربي معركة مركّبة، لا تختزل في إسقاط حاكم أو تعديل دستور، بل تتعلّق بتفكيك منظومة كاملة من الأفكار والممارسات التي جعلت الاستبداد ممكنًا، بل ومقبولًا أحيانًا. فالديمقراطية لا تُبنى فوق أرضية الخوف، ولا يمكن لأي مشروع تحرّري أن ينجح ما لم يترافق مع تجديد عميق للفكر السياسي العربي، يعيد الاعتبار للمواطنة، ويكسر منطق الاحتكار، ويحرّر السياسة من ثنائية الطاعة أو الفوضى.
إنّ السؤال الجوهري الذي يواجه المجتمعات العربية اليوم لم يعد مقتصرًا على كيفية تغيير الحاكم، بل بات يتعلّق بكيفية تفكيك الوعي الذي يسمح بوجود الاستبداد، ويعيد إنتاجه، ويدافع عنه أحيانًا باسم الاستقرار أو الخوف من المجهول. فتجديد الفكر السياسي العربي ليس تمرينًا نظريًا، بل شرطٌ لازم لاستعادة السياسة بوصفها فعلًا حرًّا ومسؤولًا، ولتحرير المجتمع من ثقافة الخوف التي كبّلته طويلًا.
ولأنّ المعركة مركّبة، والأزمة بنيوية، فإنّ هذا المقال لا يزعم تقديم إجابات جاهزة، بقدر ما يسعى إلى إعادة فتح ملفات الأسئلة المؤجَّلة والمقلقة التي تختزنها ذاكرتنا السياسية. فبداية الخلاص لا تكمن في ادّعاء امتلاك الحل، بل في الجرأة على مساءلة المنظومة الفكرية التي شرعنت الاستبداد، وجعلت حضوره ممكنًا واستمراره مقبولًا.












01/12/2026 - 06:38 AM





Comments