د.آدينه أحمد سعيدزاده *
لا يمكن أن توجد الحقيقة الفنية من دون حقيقة الحياة، كما أنه من دون المصداقية الفنية لا يمكن إدخال الحياة نفسها في نسيج العمل الفني.
لذلك، يجب على كل قارئ للأعمال الأدبية (شعراً كانت أم نثراً أم دراما) أن يميّز بين هذين الأمرين المهمّين، وأن يدرك إلى أي مدى تكون هاتان الحقيقتان في حالة من التناسب فيما بينهما.
تُعدّ الحقيقة الفنية من أهمّ القوانين الجمالية للإبداع الفني. وقد شكّل هذا المفهوم، إلى جانب مفهومي «الجمال» و«الطابع الشعبي»، أساس الجمالية الكلاسيكية وفلسفة الفن في تاريخ البشرية. وقد اعتبر نقّاد الفن البارزون هذا المفهوم صفةً لا تنفصل عن الإبداع الفني الأصيل، وأقرّوه وسيلةً فعّالة لفهم وإدراك التصوير الرمزي في العمل الفني.
يستمدّ الأدب مادته دائماً من الحياة الاجتماعية، ويصوّر تعقيدات مسارها. وتثبت التجربة الإبداعية لأعظم الأدباء، التي سيملأ تعداد أسمائهم صفحات عديدة، أنّ التمتّع بالعمل الفني لا يتحقّق إلا حين يكون مشحوناً بمضمون حياتي.
وقد كتب الناقد الروسي البارز بيلينسكي، آخذاً بعين الاعتبار هذه السمة من سمات الأدب: «إن المتعة وحدها لا تكفي، فنحن نريد دائماً أن نعرف شيئاً ما، أي إن المتعة من دون معرفة وإدراك لا معنى لها».
من المعلوم أنّه في أدب كلّ شعب وأمّة، ووفقاً للفهم الجدلي، تظهر مراحل تتكوّن من تطوّر نوعيّ ومن ركود. أما الفنّ الإبداعي، وكما يوضّحه بيلينسكي، فيحتوي في ذاته على الفكرة العامة للعمل أو مجموعة الأفكار، التي لا تتجلّى في شكل مجرد منطقي فحسب، بل تتّحد مع المشاعر والشغف والذوق الفني للأديب.
إن هذا الأمر يعكس وحدة الرؤية العامة للأديب تجاه ظواهر الواقع وعلاقته المحددة بها في الوقت نفسه. ويمكن ملاحظة مثل هذا التجلّي الواضح والملهم للشغف الإبداعي في نسيج قصة «الرجل العجوز والبحر» للكاتب الأمريكي الشهير إرنست همنغواي و«هدوء الأرض» للأديب الروسي المعروف ميخائيل شولوخوف.
في عمل همنغواي، الذي استقى فعلاً من منبع مفهوم الإنسان والعالم، عبّر، حسب قول الباحث البارز في الأدب العالمي جاي، عن «نفَس العالم الكبير، قضايا مأساوية للقرن العشرين – مصير الإنسان والإنسانية، علاقة الفرد بالطبيعة والمجتمع ونفسه»
وهكذا، من دون وجود المفهوم الفكري والفني للعمل، لا تتحقق، حسب قول محمدجان شاكوري، «التجميعات العميقة الاجتماعية والفلسفية والاكتشاف الفني». وقد منح فهم جوهر مفهوم الإنسان والعالم بعض الأدباء من شعوب الأدب الحديث، مثل تشينغيز آيتماتوف، رسول غامزاتوف ويوهان سمول، شهرة عالمية
للتقدّم في المسار الأدبي، هناك طريقان: العودة إلى التقاليد الأدبية القديمة للأسلاف، ومن جهة أخرى، الاستفادة من التيارات الأدبية المختلفة المنتشرة في أنحاء العالم، والتي تعرف بمصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة، السريالية، الذاتية، النظرية المعلوماتية، التطورانية، النظريات المختلفة للميثولوجيا والرمزية، وغيرها. وهذه ستشكّل أساس تحسين لغة الكلام والوضوح والابتكار
حقيقة أنّ أعمال كتّاب عالميين مشهورين مثل فيتزجيرالد وهنري، وموباسان وأكوتاجاوا لم تقتصر على انعكاس الحياة فحسب، بل استمدّت غذاءها الروحي من التيارات الأدبية المختلفة ولم تفرّط في قيمتها حتى اليوم، يمكن أن يعزّز الفكرة السابقة.
كلّما اقتربت الشخصيات من الإنسان الحي، أو جاد تصوير المشاهد للأشخاص الواقعيين، والوجوه الحقيقية للأشياء، والمساكن والمناظر الطبيعية، كلّما ارتفعت قيمة الأعمال الفنية المذكورة.
يمكن ملاحظة هذا النقاش جيداً من خلال مثال التوازن بين الفن الفوتوغرافي والرسم المنظري. حتى أفضل صورة فوتوغرافية، مهما كانت متقنة، لا يمكن أن تضاهي في قيمتها أقل منظر طبيعي مرسوم بريشة رسام.
أو الملفات الجنائية التي يُعدّها حماة القانون، والتي تتضمن أدقّ التفاصيل عن حادثة جنائية معيّنة. لو كان العمل الأدبي مجرد تقليد للحياة، لكانت هذه الملفات تُعدّ من أفضل الأعمال الفنية والإبداعية.
لكن الأمر ليس كذلك ولا يمكن أن يكون. فهذه الملفات تخدم كمادة للعمل الأدبي، لكنها لا تمتّ بأي صلة عامة إلى العمل الفني. اليوم، لا يشكّ أحد في القيمة الروحية العالية لأعمال سويفت، رابليه، فولتير وفرانس وويلز، رغم أنّ أعمال هؤلاء الأدباء لا تعكس الواقع الاجتماعي في فرنسا وإنجلترا.
بشكل عام، العلاقة مع الواقع في إبداع الأدباء المشهورين تكون معقّدة جداً، ومع ذلك، لا تشكّل هذه التعقيدات أي عائق أمام الأعمال الأدبية ذات النتائج الغنية والمتينة.
أفضل المسرحيات الكلاسيكية اليونانية والرومانية والفرنسية، ومعظم الدراما الإسبانية والألمانية، كُتبت على شكل شعر، ولغتها تختلف اختلافاً كبيراً عن اللغة العامية المستخدمة. وكانت حوارات الشخصيات، سواء كانت مناجاة أو محادثة، تُصاغ بالشعر الموزون والمقفّى، وهذا الجمال التصويري هو ما كان يضفي الهيبة والعظمة على الأعمال.
«الفُرْس» لأيسخيل، و«أوديب الملك» لسوفوكليس، و«هيبوليت» لأوريبيد، ومسرحيات بليتوس وتيرينس، و«ميديا» لسينكا كُتبت على شكل شعر. حتى «إفيجينيا» لغوته، التي كُتبت في البداية على شكل نثر، لم ترضِ المؤلف، فتم تحويلها لاحقاً إلى الشعر.
إن انعكاس المنطق الظاهر والباطن لظواهر الحياة من منظور جمالي يعتمد على الذوق والبصيرة والحدس الإبداعي للأديب. ومن الأنسب تحليل أنواع مختلفة من تعامل الأدباء مع الواقع من خلال أعمال كتّاب عصر واحد وفترة زمنية محددة.
كاتبان مشهوران – كاريل تشابيك وفرانس كافكا – عاشا وابتكرا خلال فترة زمنية واحدة، وجمّعا الواقع الاجتماعي لقرن كامل في أعمالهما الأدبية، لكن شغف أعمالهما متباين إلى درجة تبدو وكأنهما عالمان متقابلان تماماً
يتجلّى نظر تشابيك الإيجابي تجاه الحياة وكون الإنسان مستحقّاً للسعادة في كلّ من «الأم» و«حرب السمندل»، بينما في «المحاكمة» أو «في مستعمرة العقاب» لكافكا، لا توجد هذه الروح؛ فالحياة هناك مليئة بالرعب والفزع، ويُصوَّر الإنسان ككائن ضائع وعاجز أمام صعوبات الزمن، بل إن سرد كافكا عن الإنسان ذي الطابع الحشري يثير النفور من الحياة وزوالها.
أثبت الكاتب من خلال تجربته الإبداعية وفنه الأدبي الرفيع أن جنس القصة يتمتع بإمكانيات واسعة للتحليل الفكري للواقع، وأنه لا يقل عن الرواية والقصّة في قدرة تصوير الإنسان وابتكار شخصيات أدبية بارزة، وفي تجلّي التفكير الجمالي للكاتب.
* استاذ بجامعة طاجيكستان القومية












01/11/2026 - 20:51 PM





Comments