Tonality الحوار: شفرة البدايات والنهايات

01/11/2026 - 10:32 AM

Bt adv

 

 

د. فهيم الشايع

هل الحوار فعلٌ لغويٌّ يُقاس بما يُقال، أم بنيةٌ أخلاقيةٌ تسبق اللغة وتؤسّس إمكانها؟

لا تُفتتح البدايات بالكلام، ولا تُغلَق النهايات بالصمت، بل بما يسمح له الحوار أن يتشكّل أو أن ينهار، فالحوار ليس أداة تواصل، بل بنية خفيّة تُنظّم إمكان الفهم المشترك، وتحدّد مصير العلاقة مع المعنى، بين الإصغاء الذي يؤسّس، والحديث الذي يتصلّب، تعمل هذه الشفرة غير المنطوقة على رسم حدود البداية والنهاية، ومع ذلك، لا يعني هذا التقليل من شأن اللغة أو نزع مركزيتها كليًا، إذ يرى اتجاهٌ فلسفي آخر أن القول ذاته هو ما يُنشئ المعنى، وأن ما لا يُقال يظل خارج دائرة الحوار.

بين هذين التصورين، يتشكّل توترٌ نظريّ مشروع: هل المعنى يُنتج في الكلام، أم يُمهَّد له في العلاقة؟

يرى أنصار الفعل اللغوي أن وضوح الخطاب، ودقة المفاهيم، وقابلية القول للفحص والنقد، هي ما يمنح الحوار قيمته، فالكلام وفق هذا المنظور، ليس قشرة سطحية، بل هو الفضاء الذي تظهر فيه الحقيقة أو تُختبر ومن هذا المنطلق، قد يُنظر إلى الصمت بوصفه عجزًا، أو انسحابًا من المجال التداولي الذي يسمح بتقدّم الفهم.

في المقابل، تذهب تصورات أخرى إلى أن اللغة قد تتحول بسهولة إلى أداة هيمنة، وأن الإكثار من الكلام لا يعني بالضرورة انفتاحًا على الآخر، فهناك أشكال من الحديث تُغلِق أكثر مما تفتح، وتُقنِع دون أن تُشرك، وتُنتج امتثالًا بدل فهم، في هذا السياق لا يُدان الكلام في ذاته، بل يُسائل الإطار العلائقي الذي يُقال فيه.

يُقنعنا العقل من غير دليل أن الكلمات تفيد الحقيقة صنعاً، وأن وضوح العبارات كفيل بإقناع الآخر، غير أن التجربة اليومية، كما الفكر الفلسفي، يكشفان عكس ذلك: فليس كل ما يُقال يُفهَم، وليس كل ما يُفهَم يُقنِع، هنا، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الحديث والحوار، لا بوصفه تمييزًا لغويًا فحسب، بل بوصفه فرقًا في طريقة الوجود مع الآخر.

الحديث قد يكون فعلًا أحادي الاتجاه؛ تعتليه نبرة واحدة، صوتًا يسير مستقيمًا دون أن يلتفت إلى صداه، فيه تُصاغ الكلمات كما لو أنها قادرة وحدها على إنتاج الحقيقة، أو التأثير باتجاه معين، أما الحوار فهو علاقة مساحة مشتركة، لا تُنقَل فيها المعاني جاهزة، بل تُبنى بالتدريج بين ذاتين تعترف كل منهما بأن الحقيقة لا تقيم كاملة في أي طرف، وحيث استعملنا للحديث الاتجاه، وللحوار العلاقة، وكأننا نضرب من غير قصدٍ موعدٍ مع لبس آخر ، معنى السلطة الذي انتقل من الاتجاه من حاكم إلى محكوم، لينتهي على يد الفيلسوف فوكو بعلاقة، وحيث أن العلاقة متغيرة، سنجد هذا الشيء ذاته في الحوار .

لطالما أدرك الفلاسفة هذه القيمة، فقد جعل سقراط الحوار طريقًا للبحث لا للتلقين، ورأى أن الحقيقة تُستولد ولا تُملَى، وفي الفكر الحديث أكّد فلاسفة مثل مارتن بوبر أن العلاقة الحوارية ليست تبادل معلومات، بل حضور متبادل، بينما شدّد إيمانويل ليفيناس على أن الإصغاء للآخر فعل أخلاقي يسبق كل قول.

ضمن هذا الأفق، يمكن التفكير فيما يمكن تسميته – على سبيل الاحتمال لا الحسم – Tonality الحوار، لا بوصفها نبرة صوت أو أسلوبًا بلاغيًا، ولا كقيمة أخلاقية مكتملة، بل كبنية علائقية دقيقة تتشكّل بين القول والإنصات، بين الفعل وردّة الفعل، بين الرغبة في التأثير والاستعداد للتأثر، تنسج ما يكمن عده رقعاً تكاملياً في العلاقات مبنية على الذوبان في الإنتاج بين الانا والآخر.

هذا التصور لا يفترض أن Tonality شرطٌ لازم لكل حوار، ولا يدّعي أنها مفتاح وحيد لفهمه، بل يقترحها كعدسة ممكنة لرؤية ما يحدث حين لا تنهار العلاقة رغم الاختلاف، وحين لا يتحول الخلاف إلى قطيعة، ويصرخ وجودها – البدايات - صمتاً بينما غيابها – النهايات - يعلن حالة الطوارئ، وهنا أقصد بالغياب الحضور مع اغتيال الوظيفة، وقد يكون من المشروع في المقابل الاعتراض بأن بعض الحوارات الفعّالة تقوم على الحسم، أو على خطاب أحادي مؤقت، خصوصًا في السياقات التعليمية أو القانونية أو الطارئة مثل هذا الاعتراض لا يُقصى هنا، بل يُعترف بوجاهته.

لكن ما يظل لافتًا هو أن الحوارات التي تستمر، والتي لا تستهلك ذاتها سريعًا، غالبًا ما تقوم على مساحة غير مرئية من الترقّب المتبادل، حيث لا يُختزل الآخر في موقفه، ولا يُختصر المعنى في الجملة المنطوقة في هذه المساحة، لا يُلغى الكلام، بل يُخفَّف من ادعائه الاكتمال، وقد يتضح أثر (Tonality) أكثر مما يتضح وجودها؛ البدايات أكثر المتأثرين بها تنسج الأنا والأخر نواقص الحوار، وكأن الحوار ما وجد إلا ليكون كاملاً، يغيب الوعي عن هذا النسيج إلا عند اكتماله، بينما حضورها لا يتأثر، بل تفقد وظيفتها في النهايات، ليغدو الأنا أو الآخر لفارق القوى لا يقوم بدوره التكاملي.

وفي معنى ثاني حضور الحوار هو ما يُفسر في العمق، اختلاف البدايات عن النهايات، فالبدايات تتأسّس غالبًا على أفق حواري مفتوح، حيث تكون الذوات في حالة استعداد أنطولوجي للتحوّل، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه إمكانًا للمعنى لا عائقًا له، في تلك اللحظة الأولى، يعمل الحوار كشرط تأسيسي، يسمح للمعنى بأن يتكوّن في المسافة بين الأنا والآخر، قبل أن يتصلّب في صيغ نهائية.

أما النهايات، فلا تقع حين ينقطع الكلام، بل حين ينهار الأفق الحواري ذاته، هناك، يتراجع الإصغاء لصالح التمركز حول الذات، ويتحوّل الحديث إلى تكرار مغلق، وتفقد العلاقة بعدها الجدلي، عندئذ، لا يكون الانتهاء حدثًا فجائيًا، بل نتيجة بنيوية لغياب تلك التنغيمة العلائقية التي كانت، في البدايات، تجعل الاستمرار ممكنًا.

تلك المسافة الهشّة التي تتشكّل بين الذات والآخر، حيث يُعاد النظر في القرارات قبل الإفصاح عنها، ليست فراغًا نفسيًا، بل حيّزًا علائقيًا يتكوّن فيه المعنى تحت شرط توقّع ردّة الفعل، في هذا الحيّز يتقلّص البعد أحيانًا حتى يبلغ حدّ القرب الوجودي، ويتّسع أحيانًا أخرى إلى مسافة تُفرغ العلاقة من حضورها المباشر،

هذه المنطقة المتغيّرة لا ينتجها الكلام ولا يحدّها الصمت، بل ينظّمها الحوار بوصفه ممارسة للإرجاء والانفتاح، وما دامت هذه البنية قائمة لا تتحقّق النهايات بوصفها وقائع نهائية، بل تظلّ احتمالات مؤجّلة إلى أن ينهار الأفق الحواري، وما ينتج تكاملياً للحوارات التي تظهر وكأنها مغلقة، يبقى عزفاً فريداً يحاكي تلك الشخوص – الأنا والآخر – ولا يُمكن لأحدهما أن يجد هذا التفرد -ولن يكون بالضرورة جيداً أو صالحاً – في شخصٍ آخر، لعل هذا ما يفسر لنا : لا منطقية التعلق أمام النهايات الواضحة وهو ما يُمكن تسميته: مقتل Tonality، وحيث إن الكلمات لا تفيد الحقيقة بذاتها، تبقى الـ Tonality شفرةً فريدة، لا تُمتلَك ولا تُقال، بل يخلقها الحوار حين يسمح للمعنى أن يتشكّل بين الذوات.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment