تحقيق اخباري
___________________________
اعداد جورج ديب
في لحظة سياسية دقيقة، خرج رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بتصريحات حملت ملامح خطة متكاملة لإعادة ضبط البوصلة الوطنية، من الأمن إلى الاقتصاد، مرورًا بالسيادة والعدالة. في مقابلة متلفزة وتصريحات أعقبت جلسة مجلس الوزراء، رسم سلام ملامح مرحلة جديدة، عنوانها: استعادة الثقة، بسط سلطة الدولة، ورفع الغطاء عن الفساد.
حصرية السلاح: من الجنوب إلى الشمال
أكد سلام أن حكومته "ملتزمة بالخطة التي وضعها الجيش اللبناني"، والتي تنص على حصر السلاح في جنوب الليطاني و"احتواء السلاح في المناطق الأخرى"، في إشارة واضحة إلى نية الحكومة استعادة قرار الحرب والسلم من خارج الدولة. وذكّر بأن هذه الرؤية ليست اختراعًا حكوميًا جديدًا، بل منصوص عليها في اتفاق الطائف تحت بند "بسط الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية".
في هذا السياق، شدد على أن دور المقاومة انتهى عام 2000 مع التحرير، وأن ما يحمي لبنان اليوم هو الدولة ومؤسساتها الشرعية، وعلى رأسها الجيش. وأضاف: "حصرية السلاح ليست موجهة ضد أحد، بل لصالح الجميع".
الأمن والعودة: نحو الجنوب مجددًا
أعلن سلام عن التحضير لمؤتمر دعم الجيش في باريس في شباط المقبل، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية. كما أشار إلى أن عودة الجنوبيين إلى قراهم تتطلب إمكانات تعمل الحكومة على توفيرها، تمهيدًا لإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
الاقتصاد والودائع: قانون الضرورة
في الشق المالي، أقرّ سلام بأن قانون الفجوة المالية ليس مثاليًا، لكنه ضروري، لأن الاستمرار في المسار الحالي يعني مزيدًا من التدهور. وأوضح أن القانون يضمن استرداد ودائع 782 ألف حساب تحت المئة ألف دولار بالكامل، أي ما يشكل 85% من المودعين.
وأضاف أن الدولة ستتحمل مسؤولية الدين في ما يتعلق بمشروع استرداد الودائع والانتظام المالي، مشيرًا إلى أن كل يوم تأخير في إقرار القانون يعني ذوبانًا إضافيًا للودائع.
السرية المصرفية: من حماية الخصوصية إلى حماية الفساد
في موقف جريء، أعلن سلام أن السرية المصرفية تحوّلت إلى نقمة، وأصبحت ستارًا لتجار الكبتاغون وعمليات تبييض الأموال، لذلك قررت الحكومة رفعها لحماية لبنان. هذا القرار، وإن كان مثيرًا للجدل، يعكس تحولًا جذريًا في مقاربة الدولة للشفافية والمحاسبة.
النازحون السوريون: العودة مستمرة
كشف سلام أن أكثر من 400 ألف نازح سوري عادوا إلى بلدهم، وتم شطبهم من لوائح الأمن العام، في خطوة تعكس تقدمًا في ملف النزوح، رغم التحديات السياسية والإنسانية المحيطة به.
إعادة الإعمار: من المصيلح إلى الدولة
في ما يشبه العتب، اعتبر سلام أن قضية إعادة الإعمار لا يمكن أن تُختزل بمؤتمر المصيلح، خصوصًا مع حضور وزيرين فقط. وأكد أن هذا الملف من مسؤولية السلطة التنفيذية، واعدًا ببدء العمل قريبًا.
إصلاح إداري وتعددية سياسية
أشاد سلام بإنجازات الحكومة في مجال التعيينات والهيئات الناظمة، معتبرًا أن الهدف الأول هو استعادة ثقة الناس. كما رحّب بوجود تعددية في الساحة السنية، معتبرًا أن "الحريرية لم تنتهِ ولها جمهور كبير"، في إشارة إلى التوازن السياسي داخل الطائفة.
في الختام: خريطة طريق أم اختبار نوايا؟
تصريحات نواف سلام ترسم خريطة طريق طموحة، لكنها تصطدم بواقع سياسي معقد، وتحالفات متشابكة، ومصالح متضاربة. فهل تنجح الحكومة في ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية؟ وهل يلتف اللبنانيون حول مشروع الدولة، أم أن السلاح غير الشرعي والفساد سيبقيان حجر عثرة؟
الأسئلة كثيرة، لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون مفصلية، وأن لبنان يقف أمام فرصة نادرة لإعادة بناء الثقة، داخليًا وخارجيًا، على قاعدة القانون، والعدالة، والسيادة.













01/08/2026 - 22:09 PM





Comments