بقلم: ناجي علي أمهز
يأتي هذا المقال رداً على سيل التساؤلات والردود الكثيرة التي أعقبت مقالي الأخير: "إصابة الشرع وكلام وهاب.. هل ضاع حلم الشيعة في حكم المشرق؟". إن النظام العالمي الذي صنع الطائرة والذرة، وطوّر الهندسة الجينية، وحوّل النفط والغاز إلى "هراوات سياسية"، والذهب والسيليكون إلى ذكاء اصطناعي يفوق العقل البشري، ليس نظاماً عشوائياً. هذا النظام تحركه هواجس كبرى، يرى فيها أخطاراً وجودية، تتركز في قطبين: "الدين" و "التجمعات البشرية المغلقة".
لنفهم المشهد، دعونا ننظر إلى النموذج الآسيوي: يدرك النظام العالمي أن الصين (المليار ونصف المليار إنسان) مجتمع مغلق سيبحث حتماً، وبقوة الطبيعة، عن موارد خارج حدوده لمواجهة أزمات الجفاف أو الركود؛ وهو قانون كوني لا مفر منه. لذا، أوجد النظام العالمي "الهند" كقوة موازنة، ليس حباً بها، بل لتقاطع المصالح في لجم التمدد الصيني. وكي تظل الهند تحت السيطرة وتحتاج دائماً للغرب، أوجد النظام العالمي "باكستان" كأداة ضغط دائمة.
القنبلة النووية الباكستانية، في جوهرها، هي قنبلة "بمباركة أمريكية" لخلق توازن نووي يحفظ "الستاتيكو" ويضطر الهند دائماً للتفاوض مع واشنطن. وكي لا تخرج باكستان نفسها عن المسار، صِيغ "وادي الموت" في أفغانستان؛ ذلك الشعب الذي يراد له البقاء في بدائيته ليكون مفسداً لاستقرار المنطقة متى اقتضت الحاجة.
ما يُطبق في شرق آسيا، طُبق بحذافيره على المسلمين. يرى النظام العالمي في الـ 1.5 مليار مسلم كتلة تعيش فكرياً في القرن السابع ميلادي، ومنفصلة عن الواقع الحضاري. واستناداً إلى "الاستشراق البريطاني" الذي درس العقل العربي في أصالته والعصبية العشائرية والدينية، خلُص النظام إلى أن هذه الشعوب عاجزة عن التغيير الجوهري.
وسط هذا المشهد، رصد النظام العالمي "الطائفة الشيعية"؛ الفئة التي اضطهدت وقُهرت لـ 1400 عام. وجد النظام في هذه الطائفة ميزات "الانفتاح والوسطية والقدرة على التعايش". هنا، وُضع تصور يقضي بمنح الشيعة "فرصة الحكم" لإنتاج توازن مع الكتلة السنية الكبرى (التي لا يمثل الشيعة أمامها سوى 10% في المشرق العربي).
سمح النظام العالمي للشيعة بالتمدد، وسمح لإيران بامتلاك تقنيات نووية لتكون موازناً للقنبلة النووية "السنية" الباكستانية. وخلال أعوام قليلة، سجل الشيعة انتصارات ضاهت ما تحقق في قرون؛ فبينما قاتل صلاح الدين الصليبيين، قاتل الشيعة الإسرائيليين وهزموهم، ووصل نفوذهم السياسي حتى واشنطن عبر مفاوضات مباشرة وبشروط شيعية.
وقعت المفاجأة التي لم يتوقعها النظام العالمي: الشيعة لم يكتفوا باللعبة التوازنية، بل كانوا "صادقين" في مشروعهم إلى حد الانتحار السياسي. لقد آمنوا فعلياً بإزالة إسرائيل من الوجود، وذهبوا بعيداً في التحالف مع "الإخوان المسلمين" والقوى العروبية التي لا تبيع إلا الكلام.
في عام 2003، حاول الأمريكيون التواصل مع شيعة لبنان لفهم العالم. لكن العقبة كانت "بشار الأسد". أرسلت واشنطن "كولن باول" إلى دمشق عام 2003 ليعرض على الأسد الانضمام للمشروع العالمي الجديد، فرفض الأخير مطلقاً، متمسكاً بروسيا وبفكرة إزالة إسرائيل. (للعلم: المشروع العالمي ليس ضد المkاwمة كقوة عسكرية، بل ضد "فكرة" الشيعة بإزالة إسرائيل).
عندما عجز باول عن إقناع الأسد، حاول الالتفاف وطلب لقاء الرئيس نبيه بري، لكن الأخير رفض بإيعاز من الأسد. هنا فهم النظام العالمي أن الشيعة لن يخرجوا من عباءة دمشق، فصدر قانون محاسبة سوريا والقرار 1559 لإخراج الجيش السوري، ظناً منهم أن الشيعة سيحكمون بمفردهم. لكن المفاجأة كانت أن الشيعة أعادوا "رجال الأسد" إلى صدارة المشهد، وحتى يومنا هذا، لا يزال "رجال الأسد" يحكمون مفاصل السياسة والإعلام الشيعي في لبنان وإيران.
جاء عدوان 2006 كرسالة تحذيرية، أعقبها "جزرة سياسية" عبر أموال ضخمة للإعمار، لكن الانتماء لمشروع "إزالة إسرائيل" لم يتزحزح. بعد العجز عن التقارب، انتقل النظام العالمي للمرحلة ما قبل النهائية: إشعال سوريا لسحب الشيعة إليها. كانت الفكرة هي دفع الشيعة للدفاع عن "خطوط إمدادهم" وحماية الأقليات فقط. لكن الشيعة، بصدقهم واندفاعهم، أصروا على تحرير كل شبر في سوريا، وحاولوا فتح جبهة الجولان، وهي الخطوط الحمراء الكبرى.
أما "القشة التي قصمت ظهر البعير"، فكانت إدخال روسيا إلى سوريا ومنحها قواعد بحرية؛ وهو المحرم العالمي الأكبر (وصول الروس للمياه الدافئة)، وهو ما لم يجرؤ حافظ الأسد على فعله طوال حكمه. هنا انقلب كل شيء. لقد سمح النظام العالمي للتنظيمات المتشددة بالسيطرة لسببين: منح الجولان لإسرائيل، وإخراج روسيا. ولو قبل الشيعة والأسد بهذه الشروط، لما حكم المتشددون سوريا، ولما استُنزف الشيعة واغتيلت قياداتهم.
"هنا تكمن المفارقة، أن باكستان السنية، التي تمتلك أكبر جيش في المنطقة وتمسك بناصية القنبلة النووية، ومعها مصر والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية التي تمثل ثقلاً ديموغرافياً يتجاوز المليار ونصف المليار مسلم، لم تعلن أي منها يوماً عن نية فعلية لإزالة إسرائيل أو تحرير القدس. وفي المقابل، نجد إيران التي لا تزال تعيش نمط التكوين الثوري، ومعها حلفاؤها من لبنان إلى العراق — وهم أقلية لا تتجاوز نسبتها 20% من مجموع المسلمين والعرب، يخوضون صراعاً وجودياً يسعى فعلياً لإزالة إسرائيل من الوجود."
"وهنا برز السؤال الكبير الذي أرّق مراكز القرار العالمي وبحث عن إجابة مستحيلة: لنفرض جدلاً أن الشيعة نجحوا في إزالة إسرائيل وإخراج أمريكا من المنطقة، فما هو البديل؟ هل نحن أمام ولادة نظام إسلامي عالمي موحد؟ وهذا ما يرفضه النظام العالمي جملة وتفصيلاً لأنه يهدد منظومته الأممية. أم أن المنطقة ستنزلق نحو اقتتال طائفي إسلامي شامل؟ وكيف لهذه الأقلية الدينية (الشيعة) أن تصمد في بحر هائج من المسلمين المتشددين الذين يتربصون بها الدوائر؟"
"ثم من يضمن ان يقبل المسلمون بمشاركة الشيعة لهم"
"هذا هو التساؤل الذي ظل بلا جواب، خاصة أمام هذا التناقض المأساوي؛ فبينما كان الشيعة يبذلون دماءهم في الميادين دفاعاً عن قضايا العرب والمسلمين ومقدساتهم، كان الطرف الآخر في هذه الأمة يسارع إلى تكفيرهم وعزلهم عن مقدساتهم كما حصل في السيدة زينب، والسعي للقضاء عليهم، حتى قبل أن تجف دماء شهدائهم الذين سقطوا لأجل تلك القدس والوحدة الاسلامية."
المشكلة التي لم يدركها الشيعة هي أن "صدقهم المطلق" وتفانيهم كان هو الثغرة التي نفذ منها النظام العالمي لتحجيمهم. في المعادلات الدولية، الصدق الزائد عن حده يُصنّف "خروجاً عن النص" وخطراً على التوازنات.
لقد خاض الشيعة صراعاً مع نظام لا يعترف بالعواطف، بل بالأرقام والستاتيكو. واليوم، تقف الطائفة أمام استحقاق مراجعة هذا المسار، لتعرف أين أخطأت في قراءة "الخوارزمية العالمية"، وكيف يمكنها الحفاظ على وجودها في عالم لا يرحم الصادقين الذين لا يتقنون فن "المناورة" خلف الكواليس الدولية.
بالختام ما كتبه ليس اسرارا فقد تحدث الشهيد السيد نصر allahمرات ومرات عما عرضه الامريكيين على المkاwمة وايران.












01/08/2026 - 12:35 PM





Comments