الخنق البحري: السلاح الصامت الذي يهدّد شرايين اقتصاد إيران

01/08/2026 - 01:43 AM

Bt adv

 

 

كيف يمكن لاحتجاز ناقلة نفط واحدة أن تكشف تحولًا أميركيًا نحو حصار بحري على إيران؟ ولماذا يخشى نظام الملالي من التنفيذ الصارم للعقوبات البحرية أكثر من الضربات الجوية؟

بقلم شربل عبد الله أنطون

في الأسابيع الماضية، انشغل العالم بتهديدات التصعيد العسكري مع اتّساع رقعة الاحتجاجات داخل إيران. لكن خلف الضجيج السياسي، يجري تطوّر أكثر هدوءً — وربما أكثر خطورة — في عرض البحر.  فاحتجاز الولايات المتحدة ناقلة نفط ترفع العلم الروسي وتحمل نفطًا إيرانيًا ليس مجرّد نزاع قانوني أو تطبيق روتيني للعقوبات على النظام الإيراني. بل إنّه سابقة قد تعيد رسم حدود الضغط على طهران بعمق يفوق أي ضربة جوية.

إن نقطة ضعف إيران ليست عسكرية بقدر ما هي اقتصادية. وشريان حياتها الاقتصادي يمر عبر البحر.

اقتصاد هشّ يعتمد على النفط… مهما تغيّرت الظروف

تعاني إيران من أزمة اقتصادية خانقة: تضخّم يلتهم القدرة الشرائية، وعملة فقدت قيمتها بشكل كبير، واحتجاجات متنامية في عدة محافظات. ورغم العقوبات، يبقى النفط المصدر الأساسي لتمويل الدولة وأجهزتها. الجزء الأكبر من هذه العائدات يمرّ عبر "أسطول سرّي"، مؤلف من ناقلات تعمل بأسماء وشركات وأعلام أجنبية، وهياكل مُلكية غامضة، وتتنقّل في مسارات ملتوية لتفادي الرقابة.

عائدات النفط هذه ليست مجرد مصدر دخل، بل هي شريان الحياة الذي يسمح للنظام الإيراني بدفع رواتب الموظفين الحكوميين لا سيما الأجهزة الأمنية. والحفاظ على تمويل ميليشيات النظام المنتشرة في عدة دول عربية. فحين يتدفّق النفط، يستطيع التعامل امتصاص الضغوط الداخلية، وتمويل سياساته الخارجية. أما عندما يتوقف تدفقه، فيتعرض النظام الإيراني لضغوط شديدة.

لهذا السبب، يُعدّ الحظر البحري أمراً بالغ الأهمية. فهو يستهدف القناة الوحيدة التي لا تستطيع إيران الاستغناء عنها.

ناقلة واحدة… وإنذار استراتيجي: هل بدأ عصر الحصار البحري على إيران؟

لا تُعدّ عملية احتجاز ناقلة النفط مؤخراً حادثةً معزولة. فهي إشارة إلى استعداد واشنطن لتطبيق العقوبات من خلال إجراءات بحرية مباشرة وصارمة، ليس فقط في الخليج العربي، بل في بحر العرب والمحيط الهندي، حيث تعمل ناقلات إيران السرّية بقدر أقل من الرقابة.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن للمراقب إهماله: هل يمكن أن يتحوّل تنامي هذا النمط من الاعتراض البحري -إذا استمر- إلى استراتيجية ضغط غير عسكرية على إيران، تعتمد على الخنق الاقتصادي بدل الضربات المباشرة؟ على الرغم من اختلاف السياقات بين الدول، فإن فكرة تطبيق ضغط اقتصادي تراكمي بدلاً من القوة العسكرية تُعدّ نمطاً متبعاً في السياسة الأميركية ضد حكومات خاضعة للعقوبات.

إذا تحوّلت عمليات الاعتراض البحري هذه إلى نهج مستمر، فقد تتراجع صادرات إيران بشكل حاد. فحتى الانخفاض الجزئي في تصدير النفط ينعكس مباشرة على قدرة النظام على ضبط استقرار الاقتصاد واحتواء الاحتجاجات، وتمويل الميليشيات. لكن ترامب معروف بالتراجع عن تنفيذ قراراته الصارمة تجاه عدة بلدان، كما حصل مع الصين وغيرها، فهل تكون طهران هي الاستثناء؟

على عكس الضربات الجوية التي يُمكن أن تُثير ردود فعل انتقامية فورية، يعمل الضغط البحري ببطء، لكن بفعالية تراكمية. فهو يُضيّق الخناق بدلاً من إحداث صدمة، ويضغط بدل أن يستفز. ويتم كل ذلك في مجال تتمتع فيه الولايات المتحدة بتفوّق بحري راسخ منذ عقود.

 كيف يمكن لإيران أن ترد؟

لدى إيران عدة خيارات محتملة للرد، لكن لكل منها مخاطره. فقد تحاول حماية ناقلاتها عبر مرافقة بحرية مُسلّحة، لكن القيام بذلك بعيداً عن سواحلها سيُرهق قدراتها. وقد تلجأ طِهران إلى ردود غير مباشرة: هجمات سيبرانية، أو تحريك ميليشياتها ضد مصالح أميركية. ويمكنها أيضاً تصعيد التوتر في مضيق هرمز، مع أن مثل هذه الخطوة ستُعرّضها لمواجهة أوسع.

وقد تضطرّ طِهران إلى اعتماد خيار آخر أكثر كلفةً وهو إيقاف دعم ميليشياتها الإقليمية بالمال وتحويل هذه الموارد لتحقيق الاستقرار الداخلي. فغالباً ما تُجبر الضغوط الاقتصادية على اتخاذ خيارات صعبة. فعندما تنخفض الإيرادات تتغير الأولويات.

كل خيارات إيران مُكلفة. وهذا بالتحديد ما يجعل الحظر البحري ذا أهمية استراتيجية، فهو يفرض على النظام الإيراني خيارات صعبة.

???????? حسابات واشنطن: ضغط بلا حرب

تكمن جاذبية الضغط البحري في أنّه يمنح واشنطن رافعة قوية من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع طهران عبر عمليات عسكرية واسعة النطاق. فتطبيق الإجراءات البحرية يرفع الكلفة على النظام الإيراني، ويستهدف نقطة ضعفه الأساسية: قدرته على الاستمرار بكسب الإيرادات بالدولار الأميركي لتمويل نشاطاته المزعزعة لاستقرار المنطقة.

ويتفاعل هذا النهج أيضاً مع الديناميكيات الداخلية في إيران. فقد غذّت الصعوبات الاقتصادية الاحتجاجات في الماضي، وتعكس الاضطرابات الحالية إحباطاً عميقاً من سوء الحوكمة والفساد والظروف المعيشية القاسية جداً. وكلّما اشتدّ الضغط الاقتصادي، ازدادت هشاشة التوازن الداخلي.

لكن في الوقت نفسه، فإن لكل استراتيجية أخطار. فقد يُقدم النظام الإيراني المحاصر على تصعيد غير متوقع، وقد تُخطئ الجهات الإقليمية الفاعلة – وتحديداً إسرائيل- في تقدير الموقف. كما يتطلب تطبيق الإجراءات البحرية تخطيطاً دقيقاً لتجنب العواقب غير المقصودة. وهذه مسؤولية صنّاع القرار في واشنطن.

البعد الإقليمي لسياسة الضغط البحري

وسط ارتفاع حدّة التوترات الإقليمية، فإن تداعيات هذا التحوّل لا تقتصر على إيران، فكلّ تراجع في قدرة طهران المالية ينعكس على حضورها الإقليمي خاصة على مواقفها تجاه الدول العربية المجاورة. وقد يؤدي انخفاض الإيرادات إلى الحد من قدرة طهران على دعم "الأنشطة غير المشروعة" في المنطقة، مما قد يخفف من حدة التوتر في بعض الساحات. لكنه قد يدفعها أيضاً إلى محاولة إظهار قوتها في أماكن أخرى، إذا اختارت طهران التعويض عبر التصعيد.

والسؤال الأهم هو: هل يمكن للضغط الاقتصادي البحري المستمر والمتصاعد أن يغيّر سلوك النظام الإيراني من دون إشعال مواجهة؟ السوابق التاريخية تقدّم إجابات متباينة، والنتائج ترتبط بالقرارات السياسية بقدر ما ترتبط بالمعادلات الاقتصادية.

 مرحلة جديدة من الضغط الأميركي على النظام الإيراني

يمثل احتجاز ناقلة النفط بداية مرحلة جديدة محتملة من الضغط الأميركي على النظام الإيراني، مرحلة لا تعتمد على الضربات الجوية، بل على الخنق التدريجي لشرايين الاقتصاد الإيراني. ستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت هذه المرحلة ستستمرّ، لكن المؤكّد أنّ الضغط الحقيقي على إيران قد لا يأتي من الجو، بل من البحر.

في عصر تتغير فيه موازين القوى وتتصاعد فيه التوترات الإقليمية، قد تكون ساحة المعركة الحقيقية بحرية، لا جوية. وقد تكون الإجراءات الأكثر تأثيراً هي تلك التي تُعيد تشكيل تدفق النفط والإيرادات والنفوذ بهدوء.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment