كتب جورج ديب *
عاد لبنان إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، ليس فقط بسبب تصاعد التوترات الأمنية على الحدود الجنوبية، بل أيضًا بفعل الحراك الداخلي المتعلق بخطة حصر السلاح بيد الدولة، والدور المتنامي لرئيس الجمهورية العماد جوزف عون في هذا السياق.
الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء، الذي ناقش خطة حصر السلاح، لم يكن مجرد محطة إدارية، بل لحظة سياسية مفصلية، ترافقت مع حضور دبلوماسي كثيف في بيروت، من سفراء دول كبرى وممثلين عن منظمات أممية وإقليمية، ما يعكس حجم الرهانات على مستقبل الاستقرار اللبناني.
السلاح خارج الدولة: معضلة مستمرة
منذ نهاية الحرب الأهلية، بقي ملف السلاح غير الشرعي أحد أبرز التحديات أمام الدولة اللبنانية. ورغم اتفاق الطائف، الذي نصّ بوضوح على حصر السلاح بيد الشرعية، إلا أن الواقع ظلّ مختلفًا. فالسلاح بقي في أيدي أطراف حزبية، أبرزها حزب الله، الذي يبرر امتلاكه للسلاح بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن لبنان.
لكن مع تغيّر المعادلات الإقليمية، وتفاقم الأزمات الداخلية، بات هذا السلاح محل مساءلة داخلية وخارجية، خصوصًا مع تزايد الأصوات المطالبة بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ووقف منطق الدولة داخل الدولة.
خطة حصر السلاح: بين الواقعية والطموح
الخطة التي ناقشها مجلس الوزراء، والتي لم تُعلن تفاصيلها الكاملة بعد، تهدف إلى وضع خارطة طريق تدريجية لحصر السلاح بيد الدولة، عبر مراحل تبدأ بجرد شامل للأسلحة المنتشرة، وتفعيل دور الأجهزة الأمنية، وتوسيع صلاحيات الجيش اللبناني في المناطق التي كانت تُعتبر "محظورة" عليه.
لكن التحدي لا يكمن فقط في الجانب الأمني، بل في البُعد السياسي والاجتماعي. فالسلاح في لبنان ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو امتداد لهوية سياسية وطائفية، ومصدر نفوذ اجتماعي واقتصادي في بعض المناطق. وبالتالي، فإن أي خطة لحصر السلاح لا بد أن تأخذ في الاعتبار هذه التعقيدات، وأن تُرفق بمسار حواري وطني شامل.
جوزف عون: رئيس في قلب المعادلة
منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية، أظهر العماد جوزف عون مقاربة مختلفة في التعاطي مع الملفات السيادية. فالرجل الذي قاد الجيش في أصعب المراحل، يبدو اليوم مصممًا على استكمال مشروع بناء الدولة من موقعه الرئاسي، مستندًا إلى شرعية شعبية ودولية، وإلى شبكة علاقات متينة مع العواصم المؤثرة.
في كلماته الأخيرة، شدد عون على أن "لا دولة من دون حصرية السلاح"، معتبرًا أن "الجيش هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها". هذه الرسائل لم تمرّ مرور الكرام، بل لاقت صدى إيجابيًا في الأوساط الدبلوماسية، التي ترى في عون شخصية قادرة على قيادة مرحلة انتقالية نحو تثبيت السيادة.
الحضور الدبلوماسي: دعم مشروط أم ضغط ناعم؟
اللافت في الأيام الأخيرة كان الحضور الدبلوماسي الكثيف في بيروت، حيث شهد القصر الجمهوري ووزارة الخارجية حركة غير اعتيادية لسفراء دول كبرى، أبرزها الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، وممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
هذا الحضور لا يمكن فصله عن النقاش الدائر حول خطة حصر السلاح، ولا عن الدور المتصاعد للرئيس عون. فالدبلوماسيون، وإن عبّروا عن دعمهم للاستقرار، إلا أنهم أوصلوا رسائل واضحة: المجتمع الدولي يريد رؤية خطوات ملموسة نحو بسط سلطة الدولة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد انفجارًا داخليًا.
الخوف من الفوضى: هواجس الناس أولًا
في خضم هذه النقاشات السياسية والأمنية، يبقى المواطن اللبناني هو الحلقة الأضعف. فالسكان في المناطق الحدودية، كما في الضواحي والمدن، يعيشون يوميًا تحت وطأة القلق من اندلاع مواجهة جديدة، أو من انهيار أمني داخلي.
أم محمد، أرملة خمسينية من الجنوب، تقول: "نريد دولة تحمينا، لا نريد أن نعيش بين نارين، لا نريد أن نخسر أبناءنا من جديد". أما فادي، شاب من طرابلس، فيقول: "كل ما نريده هو أن نعيش بكرامة، أن نعمل، أن نؤسس عائلة، لا أن نُستَخدم وقودًا في صراعات لا نعرف نهايتها".
هذه الأصوات، التي غالبًا ما تُهمّش في النقاشات الكبرى، هي التي يجب أن تُسمع اليوم. فحصر السلاح ليس فقط قرارًا سياديًا، بل هو أيضًا مطلب إنساني، يتعلق بحق الناس في الأمان والعدالة والمساواة.
تحديات التنفيذ: من يضمن التطبيق؟
حتى لو أُقرّت الخطة، فإن التحدي الأكبر يبقى في التنفيذ. فهل تملك الدولة القدرة الفعلية على فرض سلطتها؟ وهل هناك توافق سياسي حقيقي على هذه الخطوة؟
الواقع يُظهر أن الانقسام السياسي لا يزال عميقًا. فبعض القوى ترى في السلاح ضمانة وجود، وأداة توازن في وجه ما تعتبره تهديدات خارجية وداخلية. بينما ترى قوى أخرى أن استمرار هذا الواقع يُقوّض الدولة، ويُبقي لبنان رهينة لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
دور الجيش: بين الثقة والقيود
الجيش اللبناني، الذي يحظى بثقة شعبية واسعة، يُنظر إليه كالمؤسسة الوحيدة القادرة على تنفيذ خطة حصر السلاح. لكن هذا الدور يتطلب دعمًا سياسيًا وماليًا ولوجستيًا، كما يتطلب غطاءً وطنيًا جامعًا.
الرئيس عون، بخلفيته العسكرية، يدرك هذه المعادلة جيدًا. ومن هنا، فإن أي خطة لا بد أن تُبنى على شراكة واضحة بين الرئاسة، الحكومة، والقيادة العسكرية، مع دعم من المجتمع الدولي، لا سيما في مجالات التدريب، التسليح، والدعم الاقتصادي.
المجتمع الدولي: بين الدعم والمصالح
الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، تُبدي اهتمامًا متزايدًا بملف السلاح في لبنان، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. لكن هذا الاهتمام لا يخلو من حسابات سياسية، تتعلق بموازين القوى في المنطقة، وبموقع لبنان في الصراع الإيراني – الإسرائيلي، والسوري – الأميركي.
من هنا، فإن الدعم الدولي لحصر السلاح قد يكون مشروطًا، أو محدودًا، ما لم يُرفق بخطة إصلاحية شاملة، تشمل القضاء، الاقتصاد، والإدارة. وهذا ما يُعقّد المهمة أكثر، ويضع لبنان أمام معادلة صعبة: كيف يوازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج؟
في ظل هذه التحديات، يبرز الحديث عن ضرورة التوصل إلى عقد وطني جديد، يُعيد تعريف دور الدولة، ويُعيد توزيع الصلاحيات، ويُرسي قواعد جديدة للشراكة الوطنية.
هذا العقد لا يمكن أن يُفرض من فوق، بل يجب أن ينبع من حوار وطني صادق، تشارك فيه كل المكونات، ويأخذ في الاعتبار تطلعات الأجيال الجديدة، التي لم تعد تؤمن بالخطابات التقليدية، بل تطالب بدولة مدنية، عادلة، وقادرة.
الخلاصة: لحظة اختبار
لبنان اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية. فإما أن ينجح في تحويل خطة حصر السلاح إلى مدخل لبناء الدولة، أو أن يبقى رهينة التوازنات الهشة، والضغوط المتقاطعة.
الرئيس جوزف عون، بما يمثله من رمزية سيادية، وبما يملكه من رصيد شعبي ودولي، قد يكون أمام فرصة تاريخية لقيادة هذا التحول. لكن النجاح يتطلب شجاعة سياسية، واحتضانًا شعبيًا، ودعمًا دوليًا غير مشروط.
أما المواطن اللبناني، فهو يستحق أكثر من مجرد خطط على الورق. يستحق دولة تحميه، لا تخيفه. دولة تُنهي زمن السلاح المتفلت، وتُعيد الاعتبار للعدالة، والكرامة، والعيش المشترك.
في النهاية، لا يمكن بناء وطن على ركام الخوف. ولا يمكن أن تُبنى الدولة إلا حين يصبح السلاح في خدمة القانون، لا فوقه.
* جورج ديب هو كاتب ومحلل سياسي لبناني ينشر مقالاته في عدة مواقع إخبارية، منها صحيفة بيروت تايمز، ويتميّز بأسلوب تحليلي عقلاني يدمج بين العمق السياسي والبعد الإنساني، مع تركيز على السيادة اللبنانية، الإصلاح، والعلاقات الدولية.












01/07/2026 - 15:53 PM





Comments