متى يبلغُ السّياسيّون في لبنانَ سنّ الرشد؟

01/07/2026 - 08:02 AM

Prestige Jewelry

 

 

د. مهى محمّد مراد

سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح في ظلّ مشهدٍ سياسي مأزوم، تتكرّر فيه الأخطاء نفسُها، وتُدار فيه شؤونُ البلاد بعقلية التبعية لا بعقلية الدولة. هو ليس سؤالًا عابرًا ولا استفهامًا إنشائيًا، بل صرخة سياسية في وجه واقعٍ لم يعد يُحتمل.

فبعد عقودٍ من الأزمات والانهيارات والتجارب الفاشلة، لا يزال اللبنانيون يطرحون السؤال نفسه: متى يتصرّف سياسيّونا كرجال دولة؟ متى يبلغون سنّ الرشد السياسي، ويدركون أن الأوطان لا تُدار بالهاتف، ولا تُحكم بالوصاية؟

فمن البديهيات في أي دولة محترمة أن يكون الولاء للوطن، للدستور، وللشعب، لكن في لبنان، انقلبت المعادلة رأسًا على عقِب، حيث أصبح الولاءُ للخارج، والانتماء للمحاور، والارتهان للأجندات الإقليمية والدولية، هو القاعدة لا الاستثناء… سياسيون يتنافسون في إظهار تبعيتهم، ويتباهون بعلاقاتهم الخارجية، وكأنّ السيادة عبءٌ يجبُ التخلّصُ منه لا قيمة يجب الدفاعُ عنها.

ولم يعد مقبولًا، ولا مسموحًا، أن تُفرَض وصايةُ أيّ دولة على لبنان، أو أن يُدار الشأن الداخلي عبر اتصالات هاتفية تغيّر مسارات القضاء، أو توجّه عمل الحكومة، أو تؤثّر في قرارات مجلس النواب، أو في الاستحقاقات الدستورية والخِيارات السياسية، كما يُتداول في المشهد السياسي والإعلامي. فلبنان ليس دولةً طارئة ولا ساحةً مفتوحة، بل هو وطنٌ عريق قائم منذ آلاف السنين، سبق في وجوده ونموّه العديدَ من الدول الحديثة، ولا يجوز اختزاله بورقة ضغط أو ساحة نفوذ.

وبالتالي، فإنّ القرارَ الوطنيّ في لبنانَ لم يعد وطنيًا، قراراتٌ مصيرية تُؤجَّل بانتظار إشارة، وأخرى تُفرَض تحت عناوين “الظروف الإقليمية” أو “التوازنات الدولية”. وكأنّ الشعب اللبناني مجرّد تفصيل، وكأنّ معاناته اليومية من الفقر، وانهيار العملة، وضياع المستقبل، لا تستحقّ أن تكون أولوية.

نحن، كلبنانيّين، لا نرفض الشراكة مع العالم، بل نتمسّك بها حين تكون شراكةً حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الفرض والإملاء. نرفض أن تُدار بلادُنا من الخارج، ونطالب بأن تُتخذ القرارات الوطنية على أيدي سياسيين يمتلكون الوعي السياسي والحنكة الإدارية، ويُديرون الدولة انطلاقًا من ولائهم للبنان وحده، لا من التزامهم بأوامرَ أو مصالحَ خارجية. فالتعاون مع الدول يجب أن يكون من موقع الندّية لا التبعية، ومن موقع الشراكة لا الوصاية، فعلى سبيل المثال،

التعاونُ بين لبنان والولايات المتحدة يصبّ في مصلحة لبنان والشعب اللبناني، إذ تُعدّ أميركا أُنموذجًا لدولة يمكن من خلال الشراكة معها بناء مستقبل قائم على الدعم والتنمية والاستقرار، كما بإمكان هذا التعاون أن يشكّل فرصةً حقيقيةً تخدم مصلحة لبنان وشعبه، فخبرة الولايات المتحدة تجعلها شريكًا يمكن البناء معه لتحقيق التنمية والاستقرار.

لقد سئم اللبنانيون هذا المشهد العبثي، سئموا سياسيّين يُتقنون الخطاباتِ الشعبويةَ ويعجزون عن اتخاذ قرار سياديّ واحد، سئموا طبقةً حاكمة تتقن لعبة تبادل الاتهامات، وتفشل في تحمّل المسؤولية. فكلّ فشل يُبرَّر بالخارج، وكلّ عجز يُعلَّق على شماعة التدخلات، فيما الحقيقة أنّ الارتهان هو الخِيار، لا القدر.

لبنانُ ليس دولة فاشلة بطبيعته، بل أُفشل عمدًا. أُفرغت مؤسساتُه من معناها، وشُلّت إداراته، وضُربت هيبةُ دولته، لأنّ القرار لم يعد نابعًا من مصلحة وطنية جامعة، بل من حسابات ضيقة لا ترى في لبنانَ سوى ساحة نفوذ، لا وطنًا يستحق الحياة.

نقولها بوضوح: كفى تدخلات خارجية، وكفى تلقي أوامر عبر الهاتف، كفى استخدام لبنان صندوقَ بريد للرسائل الإقليمية، وكفى رهن مستقبل أجياله على طاولات المفاوضات الدولية. فالشعوب الحرّة لا تُدار بالوصاية، والدول الحقيقية لا تُبنى بالتبعية.

إنّ الخروج من هذا النفق يبدأ بتحرير الحياة السياسية من الطبقة التقليدية التي استهلكت الدولة وأغرقتها في الأزمات، وفتح المجال أمام كفاءات مستقلة، مثقفة، قادرة على فهم السياسة كفنّ إدارة وطن لا كأداة صراع. فلبنان يزخر بطاقات بشرية قادرة على قيادته، إذا ما أُتيحت لها الفرصة بعيدًا من منطق الزعامة والارتهان.

إنّ الشعب اللبناني قادرٌ على تقرير مصيره بنفسه، قادر على اختيار طريقه، وبناء دولته، وصياغة مستقبله، إذا ما تحرّر القرار من قبضة الخارج، وإذا ما وُجدت إرادة سياسية حقيقية تؤمن بأنّ السيادة ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل التزامٌ وطني لا يقبل المساومة.

اتركونا نقرّر مصيرنا بأنفسنا!

فهذه ليست دعوةً للفوضى، بل نداءٌ للكرامة، وليست مغامرة، بل حقٌّ طبيعي لشعبٍ يريد دولةً تُشبهه، لا دولةً تُدار عنه. فإمّا أن يبلغ السياسيون سنّ الرشد، أو يعترفوا صراحةً بأنهم غير مؤهّلين لقيادة وطن.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment