ناجي علي أمهز
بصفتي كاتبًا سياسيًا استشرافيًا، تركتُ بصمةً خاصة في تحليل السياسة الدولية واللبنانية، لا سيما في الوَسَط المسيحي الذي يعتبر انني شاهد حي على مفاصل سياسية؛ تزدحم لديّ الرسائل والأسئلة حول الراهن والمستقبل. وإجاباتي دائمًا ما تنبع من “قراءة الماضي” التي نشرتها قبل سنوات؛ فالمحلل الحقيقي هو من يستشرف الحدث قبل وقوعه، أما من يحلله بعد حصوله فهو اشبه بـ “معلق رياضي” يصف حركة اللاعبين وتنقل الكرة.
سُئلتُ عن تصريح الوزير السابق وئام وهاب الذي وصف فيه السيد حسن نصر الله بأنه كان “حجاباً لمحور المقاومة”، وبأن استشهاده رفع هذه الحماية. وللأمانة التاريخية، كان يلفتني التخبط السياسي الشيعي في العراق ولبنان وحتى ايران، كنت أتساءل دائماً: من يحمي الشيعة من هذا المسار السياسي ونتائجه؟ لقد كان هناك “مشروع عالمي” غير معلن يقضي بأن يبدأ “حكم الاقلية للمشرق العربي” عام 2017.
وكما طور المسيحيين العالم العربي علميًا وهندسيًا وطبيًا وخدماتيًا، كان دور الشيعة حماية الأقليات، وتطوير المفاهيم الإسلامية وتعزيز الاعتدال والحوار والتعايش لان هذا هو الدين والفكر الشيعي.
كي لا يُساء الفهم، أنا لا أتحدث عن “تفاهم” بين الشيعة والغرب، بل عن “تقاطع مصالح” كبرى. لقد رأت أمريكا والغرب في الشيعة الأقلية الأكثر عددًا وتماسكًا واعتدالًا، والقادرة على الوقوف في وجه التشدد الإسلامي الذي يعيق “التغيير الأممي”. لذلك مهدت واشنطن الطريق لهذا الدور الشيعي بسلسلة خطوات:
1. تحطيم القدرات الاقتصادية والعسكرية العربية التقليدية في “عاصفة الصحراء” عام 1990.
2. غض الطرف عن استحواذ إيران على تقنيات نووية وصاروخية من علماء روس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتمددها في المنطقة.
3. القضاء على صدام حسين واتباعه، عام 2003، وتدمير طالبان في أفغانستان.
4. الإفراج عن مليارات الدولارات لإيران لتمكينها اقتصادياً.
كان الكلام الضمني يتردد بين النخب: “إيران يُدفع لها لتحكم المشرق، بينما العرب يدفعون لامريكا الاموال ويشترون السلاح يكدسونه ثم يتلفونه لغايات لا تخدم سوى بقاء العروش”.
لماذا 2017؟ لأن النظام العالمي يضع “تاريخ صلاحية” لكل حقبة، تماماً كما تُؤرخ علب “السردين”. فكما انتهى الدور البريطاني عام 1917 ليبدأ العصر الأمريكي، كان مقرراً أن ينتهي التفرد الأمريكي في المشرق عام 2017، لتبدأ إدارة المنطقة عبر “الأقليات”. حتى الحرب على روسيا في أوكرانيا (التي بدأت إرهاصاتها في 2014) كان هدفها استبدال الغاز الروسي بالغاز الإيراني، لتعزيز اقتصاد طهران ودورها الإقليمي، ايران تملك ربما اول احتياط من الغاز في العالم ومن يمتلك الغاز بالمستقبل هو الذي يسيطر لانه حتى الان لم يوجد بديل للغاز بينما النفط سيصبح من الماضي. حتى إسقاط سوريا كان لأسفاط روسيا لإفساح المجال أمام ايران، لكن تدخل “حزب الله” وإيران لإنقاذ سوريا ثم إشراك الروس فيها، طبقوا المثل القائل: “مَنْ جلب الدب (الروسي) إلى كرمه؟”.
ثم اعلان الانسحاب من افغانستان عام 2017 وحتى من معظم الاتفاقيات الدولية واغلاق القواعد الامريكية في الدول العربية والتي هي اليوم موجودة مقابل مبالغ مالية تدفعها بعض النظم العربية، وحتى اسقاط فنزويلا وقريبا احتلال القارة الامريكية بما فيها كندا هو فقط لان امريكا لم تعد بحاجة الى هذا العالم، وهي ستعود الى القارة الامريكية وتحمي نفسها، ولتحترق القارات المتبقية بما فيها اوروبا العجوز.
المشكلة الكبرى كانت في “القراءة السياسية الشيعية” التي فشلت في قراءة هذا الواقع العالمي بدقة. قبل عشرين عاماً، قمت بما يشبه “العملية الانتحارية” لتنبيه الشيعة، ونشرت عبر “BBC” في آذار 2005 أن: “أمين عام حزب الله وجد نفسه في مأزق بسبب فاسدين في السلطتين السورية واللبنانية، لكنه غلّب منطق العروبة كي لا يصبح فريسة للخارج”.
في ذلك الوقت، كان انتقاد “أزلام” النظام السوري في لبنان وسوريا انتحاراً، لكن كان همي لفت الأنظار إلى أن هذا المسار سيقتل الدور الشيعي. وفي عام 2009، وصلت إلى قناعة “غيبية” بأن الله هو من يحمي الشيعة وكتبت في: 5 – 10 – 2009 مقال عنوانه: “حزب الله سيغير وجه التاريخ”. جاء فيه: ” لان الله سبحانه وتعالى كما اهلك القرون الماضية برجال عاديين جعل الله لاسرائيل رجال اسماهم حزب الله كي يهلكوها , والحاخامات اليهود يعلمون هذا الامر جيدا بل يعلمون بان السيد حسن نصرالله هو رصد عليهم”.
أما فيما يتعلق بإصابة أو اغتيال أحمد الشرع (الجولاني)، فإن هذا السيناريو وارد جداً، سواء أصيب فعلاً أم لا. نحن أمام مجموعات دموية وصلت إلى السلطة في سوريا، ومن الطبيعي أن تصفّي بعضها البعض. وسيكون هناك دعوة للقاء والتفاهم بين هذه الفصائل من اجل تصفية بعضها البعض، والفئة التي سيتم قتلها، ستصدر بيانا او تسرب خبرا بان البادئ هم الذين قتلوا وقد تعرض هذا الزعيم او ذاك امير المجموعة لعملية اغتيال فتم تصفية هؤلاء.
ما يحدث في سوريا اليوم هو “فلكلور سياسي” بصبغة عربية تاريخية:
• أبو العباس السفاح (750م): دعا بني أمية لوليمة “عشاء” ثم أغلق الأبواب وقتلهم جميعًا بالهراوات والسيوف.
• العثمانيون والمماليك: قنّنوا قتل الإخوة والمنافسين عبر دعوات “الحوار والتفاهم”.
إن إصابة “الشرع” أو غيابه هي فصل من فصول هذا التاريخ السياسي العربي والاسلامي. لانه ياتي عبر الدم ويذهب عبر الدم.
الخلاصة:
لقد كان الشيعة أمام فرصة لحكم المشرق، ربما كان الخلل في فهم العالم او حتى في مواجهة العالم، وغياب “الحجاب” الذي كان يمثله السيد نصر الله، وضع الشيعة أمام منعطف قد يمتد تأثيره لألف عام بالسياسة، وهو ما حذرتُ منه طويلاً.. ولكن، لم يسمعنا احد بل اقصينا وغيبنا.












01/06/2026 - 08:34 AM





Comments