بقلم / محمود كامل الكومي
خرج بعض الموتورين، في لحظة عُريٍ فكري وسياسي، ليعقدوا مقارنةً فاسدة بين صمود المقاومة الفلسطينية في غزة لعامين تحت نيران الإبادة، وبين اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في لحظات.
وهو قياس لا يخطئ فقط في المنهج، بل يُسيء إلى العقل قبل أن يُسيء إلى الحقيقة.
فما بين الحالتين بونٌ شاسع، لا يراه إلا من تعمّد العمى.
في فنزويلا، كان مادورو حاكمًا جالسًا في قصره، لا يخوض حرب عصابات، ولا يتحصّن في أنفاق، ولا يُدير معركة وجود ضد عدو استيطاني.
جاءته عصابة مدعومة بتكنولوجيا التشويش الإلكتروني، وبمساعدة جواسيس وعملاء، فاختطفته في فعلٍ ندلٍ جبان، لا بطولة فيه ولا صمود.
ومع ذلك، لم يُعرّض مادورو شعبه للإبادة، ولم يفتح أبواب بلاده للدمار، ولم يُقدّم أبناء فنزويلا قرابين على مذبح الاستعراض السياسي.
أما غزة، فالحكاية نقيض ذلك تمامًا.
هنا حالة حرب مكتملة الأركان، عدوان صهيوني شامل، إبادة جماعية موثّقة، وحرب عصابات تُدار من تحت الأرض، في أنفاق فرضتها طبيعة المعركة، لا ترف الاختباء.
أنفاق لا للفرار، بل للبقاء، ولا للنجاة الشخصية، بل لاستمرار الفعل المقاوم بعيدًا عن أعين عدو يمتلك أحدث أدوات القتل والتجسس.
ورغم الوشاية، ورغم الخذلان، ورغم اختلال موازين القوة، سقط من أهلنا في غزة ما يزيد على مئة ألف بين شهيد وجريح، في واحدة من أبشع الجرائم في القرن الحادي والعشرين.
فأي عقل هذا الذي يقارن بين شعب يُباد، ومقاومة تصمد، وحاكم اختُطف غدرًا في عملية مخابراتية؟
الأكثر سقوطًا في هذا الطرح، ليس جهله بالسياسة، بل نكرانه للجميل.
فمادورو لم يكن عدوًا لفلسطين، بل كان من القلة التي أعلنت بوضوح إدانة العدوان الصهيوني، وقطعت العلاقات مع إسرائيل، ووقفت – قولًا وموقفًا – إلى جانب شعبنا في غزة. وكان هذا الموقف نفسه أحد أسباب استهدافه. لذا فإن التشفي في حاكمٍ صديقٍ وفيّ لفلسطين، ليس مجرد انحطاط أخلاقي، بل رسالة سلبية لكل من يفكّر في مساندة قضيتنا: أن ادفع الثمن وحدك، ولن تجد حتى كلمة وفاء.
إنها ليست مقارنة فاشلة فحسب، بل سقوط سياسي وأخلاقي مدوٍّ، يُفرغ التضامن من معناه، ويحوّل القضية إلى أداة شماتة رخيصة.
ومن لا يفرّق بين الاختطاف الغادر، والصمود تحت الإبادة، فقد فقد بوصلته… أو باعها.
*كاتب ومحامي مصري












01/05/2026 - 11:44 AM
.jpg)




Comments