ربى أبو فاضل
في بلد تتوالى فيه الأزمات بلا إنذار، لم يكن الراديو يومًا تفصيلًا عابرًا في حياة اللبنانيين. فمن داخل المنازل، وعلى طرقات تعج بالزحمة، وفي المقاهي التي تبحث عن خبر موثوق وسط الفوضى، بقي الأثير مساحة مشتركة تجمع الناس على اختلافهم، فمنذ انطلاقة إذاعة لبنان مع فجر الاستقلال، مرورا بمحطات شكلت خلال الحرب وما بعدها، ذاكرة صوتية موازية للتاريخ المكتوب، لعب الراديو دور الشاهد والوسيط والملجأ الإعلامي في آن واحد.
لكن هذا الدور التاريخي يطرح اليوم موضع مساءلة. فمع التحول الرقمي المتسارع، ودخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار، من تحرير المحتوى إلى تحليل البيانات وتخصيص الرسائل الإعلامية، يقف الراديو اللبناني أمام اختبار غير مسبوق، بين مستمعين لا يزالون يتمسكون به كرفيق يومي يمنحهم الإحساس بالاستمرارية، وشباب باتوا يستهلكون المحتوى عبر منصات رقمية، تواكب إيقاعهم وتخاطبهم بلغتهم.
تسمع الخبر مع نبرة إنسانية
ففي الشارع اللبناني لا يزال للراديو جمهوره، وإن تغيرت طبيعة العلاقة معه. تقول ليلى، موظفة في الثلاثينيات من عمرها، إن الراديو "لم يعد وسيلتي الأساسية للأخبار، لكنه رفيق الطريق الدائم، أفتحه في السيارة لأسمع صوتا حيّا، لا إشعارات باردة ولا فيديوهات مفبركة".
أما أبو حسين، سائق تاكسي منذ أكثر من عشرين عاما، فيرى في الراديو "ضرورة يومية لا ترفا، الإنترنت يقطع، والكهرباء تقطع، بس الراديو دايما شغال، من خلاله بعرف شو عم بصير بالبلد، وبحس حالي مش مقطوع عن العالم".
وتعبر رنا، طالبة جامعية، عن مسافة واضحة بينها وبين الإذاعة التقليدية، "نادرا ما أسمع الراديو، الأخبار تصلني أسرع عبر الهاتف، والمحتوى الإذاعي لا يشبه لغتنا ولا يلامس اهتماماتنا"، لكنها تستثني البودكاست الإذاعي "حين يكون قصصيا ومختلفا".
ويختصر جورج، صاحب مقهى في بيروت، علاقة زبائنه بالراديو بالقول "حين تكون الأخبار متوترة، نرفع صوت الإذاعة، الناس تريد أن تسمع الخبر مع نبرة إنسانية، لا أن تقرأه فقط"، مضيفا "بالراديو في صوت واحد عم يحكي معك، بتحس إنو في حدا مسؤول".
وفي القرى والمناطق النائية، يبقى الراديو الرابط الأساسي بين الناس والعالم الخارجي، تقول فاطمة، أم لأربعة أطفال "ما عنا إنترنت ثابت، والشبكة ضعيفة وعلى الموبايل في كتير كلام، إشاعات وخوف، الراديو هو اللي بيخبرنا شو عم بصير، خصوصا وقت الأزمات"، مضيفة "الراديو يضمن لنا الأخبار والموسيقى والترفيه، في الأعياد والمناسبات ايضا".
الميزة الأساسية للراديو إنسانيته
وبهذا المعنى، يتجاوز الراديو دوره كناقل للأخبار اليومية، ليصبح منصة لإبراز المواهب واحتضان الإبداع اللبناني، حيث لعبت برامج الغناء والمسرح الإذاعي، بالإضافة إلى مسابقات الشعر والقراءة، دورا في صقل ثقافة الجمهور وربطهم بالهوية الوطنية. فالإذاعة لم تقتصر على نقل الأخبار، بل كانت مسرحا للخيال والذاكرة الجمعية، من الفنون الشعبية إلى الأغاني الكلاسيكية التي شكلت وجدان الأجيال".
ويعتبر أرشيف الإذاعة كنز من كنوزها وثروة وطنية، فهو يؤرخ عقودا من تاريخ لبنان سياسيا واقتصاديا وأدبيا وفنيا، بالإضافة إلى ما يحتويه من مواد أخرى نادرة، وهو الأضخم بين المكتبات الصوتية في الشرق الأوسط، وللفنانة فيروز أكبر عدد من الأغاني في الإذاعة، إذ يبلغ عدد أغانيها نحو 800 أغنية، يليها وديع الصافي وصباح.
وبالإضافة إلى دوره الثقافي والتاريخي، يظل الراديو أداة عملية وفاعلة لحماية المجتمع وإرشاده في أوقات الأزمات، ففي أعقاب انفجار مرفأ بيروت أو الفيضانات المفاجئة في شمال لبنان، كان الراديو المنصة الأولى لنقل التعليمات الرسمية والإبلاغ عن المناطق المتضررة، مع رسائل طمأنة للسكان، ما جعله أداة حيوية للسلامة العامة".
بدوره اعتبر مذيع إذاعي منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، أن "الميزة الأساسية للراديو هي إنسانيته، لا يمكن لأي خوارزمية أن تحاكي الصوت البشري الذي يطمئن المستمع أو يرافقه خلال يومه"، ويضيف "حتى مع ظهور التطبيقات الصوتية والبودكاست، يبقى المستمع اللبناني بحاجة لصوت حي، يربطه بالواقع، يحاوره وينقل له مشاعره، خصوصاً في أوقات الأزمات".
الراديو يعيش أزمة مزدوجة
وعلى رغم اختلاف تجارب اللبنانيين مع الراديو، ظهر جليا أن الراديو لا يزال يشغل مكانة في حياة شريحة واسعة من الناس، خصوصا في أوقات الأزمات. فبحسب دراسة أجرتها إحدى شركات الإعلام اللبنانية في 2025 ، فإن 65٪ من اللبنانيين تقريبا لا يزالون يستمعون للراديو بشكل يومي، مع ارتفاع النسبة في المناطق الريفية والمهمشة إلى 78٪، و60 ٪ من المستمعين، الذين يعتبرون الراديو المصدر الأكثر مصداقية للأخبار، مقارنة بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن رغم هذا الدور الحيوي يرى استاذ الإعلام في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية فضل عدم الكشف عن اسمه، "أن الراديو اليوم يعيش أزمة مزدوجة: التحدي التقني، حيث تتسارع المنصات الرقمية في تقديم المحتوى الفوري، والتحدي الاجتماعي، إذ تغير سلوكيات الاستماع لدى الشباب الذين يفضلون التفاعلية والمحتوى المرئي أو الصوتي حسب الطلب"، مشيرا إلى أن "الراديو لم يندثر، لكنه يحتاج إلى إعادة تعريف دوره ليواكب العصر، سواء عبر دمج المنصات الرقمية، أو عبر تقديم برامج تتفاعل مباشرة مع المستمعين".
يشار إلى أن إذاعة لبنان هي من أقدم الإذاعات في العالم العربي، أنشئت في عام 1938 باسم "راديو الشرق" خلال فترة الانتداب الفرنسي، وكان مقرها في السراي الحكومي، شغل الأديب ألبير أديب منصب المدير الأول للإذاعة، بينما كان الشاعر سعيد عقل المذيع الأول فيها. وفي نيسان 1946 انتقلت ملكيتها إلى الدولة اللبنانية وألحقت بوزارة الأنباء والسياحة، وأصبح اسمها الرسمي "الإذاعة اللبنانية"، وفي السبعينات أصبحت تعرف باسم "إذاعة لبنان".
صوت حيّ يربط
الناس ببعضهم وبالواقع
من جهتهم، يشدد خبراء التكنولوجياعلى أن الذكاء الاصطناعي يشكل فرصة للراديو اللبناني وليس تهديداً فقط ، "فيمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الاستماع، تخصيص البرامج وفق اهتمامات الجمهور، وحتى إنتاج محتوى قصصي أو إخباري بطريقة أسرع وأكثر دقة"، لكنهم يحذرون من أن "غياب الاستثمارات الرقمية وضعف البنية التحتية للإذاعات التقليدية، قد يحول دون استثمار هذه الفرصة، ويبقي الراديو حبيس الترددات القديمة".
ويجمع الخبراء على أن مستقبل الراديو اللبناني مرتبط بقدرته على التكيف، عبر دمج التجربة التقليدية مع أدوات العصر الرقمي، من البث عبر "الإنترنت"، وتقديم "بودكاست" قصصي، وصولاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل اهتمامات الجمهور ، وتقديم محتوى أكثر تخصيصاً.
في بلد تتقاطع فيه الأزمات مع ضعف البنى التحتية الرقمية، يظل الراديو "ملجأ صوتياً"، يربط الناس بالخبر وببعضهم، رغم صخب التكنولوجيا ومغريات العصر الرقمي.
الراديو ليس مجرد وسيلة إعلامية تتوارى أمام شاشات الهواتف والتطبيقات، بل صوت حي يربط الناس ببعضهم وبالواقع، ورغم صخب التكنولوجيا ومغريات العصر الرقمي، يبقى الأثير مساحة للصدق والإنسانية، حيث لا خوارزمية تستطيع محاكاة دفء الصوت البشري ونبرة الطمأنينة.
يشار إلى أنه فور صدور قانون الإعلام المرئي والمسموع عام 1994، رخص مجلس الوزراء لـ15 محطة بالبث ضمن فئتين، 1 و2، ومن ثم تم الترخيص لعدد أكبر من الإذاعات.
الفئة الأولى هي التي يسمح لها ببث الأخبار السياسية: إذاعة الشرق، إذاعة لبنان الحر، إذاعة جبل لبنان، الشبكة الوطنية للإرسال NBN، المجموعة اللبنانية للاعلام (النور)، صوت الشعب، إذاعة صوت لبنان - الأشرفية، صوت الغد، صوت فان، صوت الوطن، صوت المدى، الدولية للمشاريع (نداء المعرفة)، إذاعة لبنان العربي، إذاعة بيروت ولبنان الواحد، إذاعة الرسالة، إذاعة لبنان، إذاعة الفجر، إذاعة صوت لبنان - الضبيه، وغيرها، وإذاعات الفئة الثانية غير مخولة ببث الأخبار السياسية، وهي: راديو دلتا، راديو سكوب، فرانس إف.إم، لايت إف.إم، فضول ميوزيك، ساوند أوف ميوزيك، راديو وان، إذاعة نوستالجي، ميكس إف.إم، باكس نتوورك، البشائر، إذاعة الوحدة، MBS، سترايك، راديو روتانا وغيرها.












01/05/2026 - 11:38 AM





Comments