لم تكن العملية مجرد اختطاف لرئيس دولة، بل صفعة هزّت قواعد اللعبة الدولية. في لحظة واحدة، انكشف وهم "النظام القائم على القواعد"، وظهرت حقيقة عالم تُمارس فيه القوة بلا أقنعة، وتصبح فيه السيادة امتيازاً لا حقاً. هذا التحوّل لا يخص فنزويلا وحدها، بل يُعيد رسم ملامح النظام الدولي بأكمله. وحتى النظام الإيراني يجد نفسه مضطرًا لإعادة التفكير في معادلة بقائه.
بقلم: شربل عبد الله أنطون
رئيسٌ نامَ سيّداً واستيقظَ أسيراً
نام مادورو رئيساً في غرفة محصّنة، محاطاً بطبقات من الحماية، داخل القصر الرئاسي في كاراكاس، واستيقظ معتقلًا في نيويورك بتهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات. هذا التحوّل الدراماتيكي لا يخص فنزويلا وحدها. إنه رسالة إلى كل زعيم في العالم: إذا كان رئيس دولة يمكن أن يُنتزع من سريره خلال ساعات، فمن التالي؟ وما الذي بات ممكناً في عصر القوة العارية؟ ولا بد للمرء أن يتساءل: هل صدّق المرشد الأعلى الإيراني هذا الخبر؟
نهاية وهم "النظام القائم على القواعد"
لم تكن عملية اعتقال مادورو ليلاً مجرد إسقاط لنظام، بل إسقاطاً لوهم. فعلى مدى عقود، عملت الولايات المتحدة وخصومها ضمن إطار نظام دولي "قائم على القواعد". وإن كانوا قد انتهكوا هذه القواعد في كثير من الأحيان، إلا أنهم نادراً ما حطّموها بشكل كامل. أما اليوم، فقد مزّقت واشنطن الغطاء الدبلوماسي وأعادت العالم إلى منطق القرن التاسع عشر: مناطق نفوذ تحددها القدرة لا الشرعية.
عصر جديد من الأحادية الأميركية غير المترددة
تشير عملية 3 كانون الثاني إلى عودة جريئة للأحادية الأميركية في عهد ترامب. عودة ستؤدي إلى تسريع ولادة "نظام عالمي جديد" متعدد الأقطاب تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا بشكل أكثر شراسة على النفوذ في المناطق الغنية بالموارد، مثل أميركا اللاتينية. لا يقتصر الأمر على مجرد تكرار ما حدث في بنما عام 1989، بل هو امتداد لتلك السابقة، مُعززاً بعقيدة "أميركا أولاً" غير المترددة، ومُطبقاً في عالم أكثر تنافسية.
الصين، الدائن الأكبر لفنزويلا، أدانت العملية بوصفها "استخداماً صارخاً للقوة". وروسيا، الحليف العسكري التاريخي لكاراكاس، وصفتها بأنها اعتداء على السيادة. أما عواصم البريكس، التي بدأت بالفعل في إعادة تقييم مواقفها، تتعامل مع الحدث كنموذج لسلوك أميركي مستقبلي، لا كحادثة استثنائية.
السيادة تصبح مشروطة
في النظام القديم، حتى القوى الكبرى كانت تشعر بالحاجة إلى تبرير تدخلاتها عبر تفويض من الأمم المتحدة أو المعاهدات أو ادعاءات بالدفاع عن النفس. أما اليوم، فبخطف رئيس دولة دون تفويض من الأمم المتحدة أو موافقة إقليمية، ومع إعلان ترامب رغبته في "إدارة فنزويلا"، أسقطت واشنطن هذا الغطاء بالكامل. وأصبح حوض الكاريبي وشمال أميركا الجنوبية يُعاملان كمنطقة نفوذ أميركية تُمارس فيها السيادة وفق ميزان الولاء والخطوط الحمراء.
وسيادة الدول، التي كانت في السابق درعاً واقياً حتى للحكام المستبدين، باتت الآن مرهونة بمدى التزامهم بالخطوط الحمراء للقوى الكبرى. إن اعتقال مادورو يجعل "تغيير الأنظمة" أداةً قابلةً للاستخدام، لا خطاً أحمر.
حين تكسر قوةٌ كبرى محرّماً… تتعلم القوى الأخرى
إذا كان بإمكان واشنطن اعتقال رئيس تعتبره مجرماً، فلماذا لا تشعر موسكو أو بكين أو القوى الإقليمية الطموحة بحرية أكبر للقيام بالمثل في مناطقها؟ تُشير تحذيرات روسيا إلى تحركات محتملة في محيطها الجغرافي القريب. وقد يُعزز غضب الصين من تصميمها بشأن تايوان أو بحر الصين الجنوبي. فبمجرد كسر المحظور، يتغير نطاق الخيارات المقبولة سياسياً. وتصبح عمليات الاختطاف أدوات واردة في السياسة الخارجية.
غريزة التحوّط لدى الدول غير المنحازة
وصفت البرازيل العملية بأنها "سابقة خطيرة". وأدانتها المكسيك وتشيلي باعتبارها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة. فيما نشرت كولومبيا قواتها على الحدود. تعكس هذه المواقف قلقاً أعمق: فإذا كان من الممكن تجاوز السيادة بهذه السهولة، فإن الضمانات الأمنية والوعود الدبلوماسية أضعف بكثير مما تبدو عليه. لذلك، ستسعى دول كثيرة إلى تنويع شراكاتها وتعميق علاقاتها مع واشنطن، أو الصين أو روسيا، أو الاحتماء بقوى إقليمية صاعدة.
عالم ينزلق نحو 1914 ... ولكن مع أسلحة نووية
يدفع هذا التحوّل النظام الدولي نحو وضع مشابه لما كان عليه قبل عام 1914: سياسة قوة مكشوفة، وضعف المعايير الدولية، وزيادة خطر سوء التقدير. ولكن على عكس عام 1914، فإن عالم اليوم يمتلك أسلحة نووية ويعتمد اقتصادياً على بعضه البعض. فأي صدمة في فنزويلا تُحدث تداعيات في أسواق النفط وسلاسل التوريد وتدفقات الهجرة. وقد تكون صدمة مماثلة في أوروبا الشرقية أو شرق آسيا أكثر زعزعة للاستقرار.
شريان "حزب الله" اللاتيني انقطع فجأة
تمتد تداعيات هذه الأحداث إلى ما هو أبعد من الجغرافيا السياسية. فـ"حزب الله"، الذي نسج علاقات وثيقة مع نظام مادورو، واستفاد من شبكات مالية غير مشروعة في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، يواجه اليوم انتكاسة استراتيجية، فسقوط مادورو يعطّل اقتصاداً سرياً كان يوفر لهذه الميليشيا الإيرانية متنفساً مالياً بعيداً عن الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية عليها.
سؤال إيران: غير مرجّح… لكنه لم يعد غير قابل للتصوّر
وهذا يقودنا إلى السؤال الذي يهمس به الكثيرون الآن: إذا كان دور مادورو اليوم، فهل يمكن أن يكون خامنئي غداً؟
الإجابة المختصرة هي لا، ليس بالمعنى الحرفي والعملي. فإيران ليست فنزويلا. إنها قوة إقليمية كبرى تمتلك صواريخ باليستية، وميليشيات متمرسة، والقدرة على إشعال حرب إقليمية. إن أي محاولة أميركية لاعتقال المرشد الأعلى الإيراني ستكون تصعيداً هائلاً يفوق بكثير عملية مادورو. وفي المقابل، يعتقد مسؤولون أميركيون أن "خامنئي الضعيف" لا يحتاج إلى عملية مماثلة لمادورو، وقد لا يحتاج اسقاطه إلى تدخل عسكري أميركي مباشر.
لكن الإجابة الأكثر تفصيلاً تبعث على القلق. فالسابقة مهمة. فمن خلال اختطاف رئيس دولة في منصبه ونقله إلى المحاكمة، خفضت واشنطن الحاجز الخطابي والسياسي للحديث عن قادة الدول الأجنبية كجهات فاعلة إجرامية يمكن إزالتها بالقوة. وهذا التحول يجعل الملف الإيراني أكثر قابلية للاشتعال.
الوحوش التي تظهر عندما تنهار الأنظمة
لا يعني سقوط مادورو أن خامنئي سيكون التالي تلقائياً. لكنه يعني أن العالم قد دخل حقبة لم تعد فيها مثل هذه التساؤلات مستبعدة أو غير معقولة. فالضوابط أضعف، والسوابق أكثر وضوحاً، والمنافسة بين القوى الكبرى أكثر صراحة. النظام العالمي الجديد لم يولد بعد، لكن الفوضى العالمية الجديدة قد حلت بالفعل إلى حين.
كتب أنطونيو غرامشي عام ١٩٣٠: "العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح ليولد. الآن هو زمن الوحوش". في لحظات التحولات الجيوسياسية، غالباً ما تظهر من بين الشقوق قوى جديدة، متطرفة أو استبدادية أو انتهازية. السؤال الآن ليس ما إذا كانت الوحوش ستظهر، بل ما هو الشكل الذي ستتخذه في عالمنا. وكيف ستتصرف واشنطن حيالها؟
في عالمٍ تتراجع فيه القواعد وتتصاعد فيه القوة، لا يعود السؤال: من التالي؟ بل: من يملك أن ينجو؟












01/05/2026 - 10:56 AM





Comments