الأب البروفيسور يوسف مونس: في قلب الكنيسة والمجتمع وكاهن الفكر والصلاة

01/03/2026 - 06:33 AM

Prestige Jewelry

 

 

تحقيق اخباري خاص من اعداد الخوري الدكتور نبيل مونس

الأب البروفيسور يوسف مونس هو كاهن ماروني، أستاذ لاهوتي وفكري، وباحث متخصص في علم الإنسان، اختار أن يكون صوتًا هادئًا وعميقًا في زمن يتصارع فيه الضجيج مع الصفاء الروحي. هو ليس فقط رجل دين، بل هو أحد أبرز الشخصيات الروحية والفكرية في لبنان، ذاكرة حية لأجيال عدة، ومرشدٌ روحيٌ للكثيرين. في قلب الكنيسة والمجتمع اللبناني، استطاع الأب مونس أن يبني جسراً بين الإيمان والفكر، بين الروحانية والواقع الاجتماعي. اختار أن يُنادى بـ"بونا يوسف"، علامة تواضع وابتسامة دائمة، حيث لا يقتصر دوره على إرشاد المؤمنين، بل أيضًا على نشر الكلمة الطيبة في القلوب المتعبة، وتحفيز التفكير في قضايا الإنسان والمجتمع.

في هذا التحقيق، نغوص في سيرة هذا الرجل الذي عاش رسالة الكنيسة بكل عمق، ورغم التحديات التي شهدها لبنان، ظل صوته داعيًا للسلام الداخلي، للرجاء، وللحقيقة، في وجه كل ما يعصف بالمجتمع اللبناني من أزمات.

في زمن تتناقص فيه الأصوات الطيبة وتزداد فيه ضوضاء العالم، يبرز الأب البروفيسور يوسف مونس كأحد الأنوار الهادئة التي تضيء دروب المؤمنين والباحثين عن الحقيقة. هو أبٌ، وأستاذٌ، وباحثٌ، وشاهدٌ على تحولات الروحانية والثقافة في لبنان، وكان دائماً، كما يحلو له أن يُسمَّى، "بونا يوسف". اختار أن يكون شاهداً على تاريخ مليء بالأمل والتحديات، وقرَّر أن يزرع الكلمة الطيبة في قلوب الناس المتعبة.

مسيرة حياة مكرّسة

من بلدة الشبانية الصغيرة في جبل لبنان، التي يلفها الهدوء الجبلي، انطلقت رحلة الأب يوسف مونس، حيث بدأ طفولته بين القراءة والصلاة، في كنف عائلة كانت تجد في القديسين ملاذًا روحانيًا. في هذا المكان، توجَّهت ملامح شخصيته نحو القداسة والعمل الصالح، فتأثّر بالأسماء التي زرعت في قلبه بذرة الإيمان مثل القديس شربل، تقلا، وسيدة الوجه المنمش.

اختار الأب مونس الالتحاق بالرهبنة المارونية ليخوض مسيرة لاهوتية وفكرية عميقة. تابع دراسته في أوروبا، تحديدًا في جامعة ستراسبورغ، حيث تخصص في علم الإنسان واللاهوت، ليكون هذا العلم مرشدًا له في حياته الكهنوتية.

كاهن الكلمة والمسرح والفكر

منذ بداياته، لم يكن الأب مونس كاهنًا تقليديًا. جمع بين المنبر والمسرح، بين التدريس والكتابة، بين الصلاة والبحث الأكاديمي. درَّس في جامعة الروح القدس – الكسليك، وكان له دور محوري في تطوير المناهج الأكاديمية في العلوم اللاهوتية والأنثروبولوجية. شارك في العديد من المؤتمرات وحاضر في موضوعات هامة تخص الروحانية والعلاقات بين الإنسان والله.

ظل الأب مونس وفيًا لدوره الإنساني داخل الكنيسة والمجتمع. فقد كان مدرّسًا لا يقتصر عمله على نقل المعلومات، بل أيضًا على إثارة الأسئلة وتطوير الفكر اللاهوتي لدى طلابه، فكل درس كان بمثابة دعوة للتفكير العميق والارتقاء الروحي.

صلاته... أناشيد حياة

في كتابه الأخير "صلاتي أناشيد حياة", الذي أعدّه الأب يوحنا جحا، يكشف الأب مونس عن عمق تجربته الروحية. الكتاب ليس فقط مجموعة من الصلوات، بل هو مزيج من الشعر، التأملات، والاعترافات الروحية التي تحمل القارئ إلى مكانٍ آخر، مكانٍ مليء بالسلام الداخلي. وصفه الأب جحا قائلاً: "هو الراهب المصلي الذي سكب الروح في عقول الناس وقلوبهم ليقودهم إلى الله عبر الجمال والكلمة."

قربه من البطريرك الراعي: شراكة في الرؤية والرسالة

علاقة الأب مونس بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي كانت علاقة روحية وفكرية قائمة على الشراكة في الرؤية والرسالة. كان الأب مونس مستشارًا موثوقًا للبطريرك في العديد من القضايا الروحية والإعلامية، وشاركه في صياغة العديد من الرسائل الرعوية التي تحدثت عن أهمية الكنيسة كمنبر للحق والعدالة.

صوت الضمير في زمن الانهيار

في وسط الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يمر بها لبنان، رفض الأب مونس أن يكون مجرد شاهد صامت. بل كان من بين الأوائل الذين نادوا بضرورة أن تستعيد الكنيسة دورها النبوي، لتكون صوتًا للحق في وجه الظلم والفساد. في مقالاته، تناول قضايا مثل الجوع والكرامة والرجاء، داعيًا إلى أن تكون الكنيسة "أمًا لا قاضية" تنحاز إلى الإنسان أولًا.

في دير مار أنطونيوس – السوديكو: عزلة الصلاة والحكمة

اليوم، يقيم الأب مونس في دير مار أنطونيوس في السوديكو، حيث يواصل حياته الروحية بين الصلاة والتأمل. على الرغم من أن الزمن قد أنهك جسده، إلا أن ذهنه لا يزال حادًا وروحه نابضة بالحياة. في هذا المكان المعزول، يتلقى زواره بابتسامة هادئة، ويشاركهم حكمته ومعرفته، وينقل إليهم رسائل من القلب عن الحياة والموت، عن السماء والأرض، وعن الكلمة التي ما تسقط أبدًا.

إرثه في التعليم والإعلام

لا يمكن الحديث عن الأب مونس دون التطرق إلى دوره الرائد في مجال الإعلام الكنسي. كان من الأوائل الذين أدركوا أهمية الكلمة في عصر الصورة، فأسس برامج إذاعية وتلفزيونية، وكتب في الصحف، وشارك في مؤتمرات دولية حول الإعلام المسيحي. كما كان له دور كبير في تدريب أجيال من الإعلاميين والكهنة على فن الخطاب والتواصل الفعّال.

شهادة حياة

ما يميز الأب مونس ليس فقط علمه الغزير، بل تواضعه العميق. لم يسعى وراء المناصب أو الأضواء، بل اختار أن يكون شمعة تضيء درب الآخرين. أحد طلابه قال عنه: "كان يعلّمنا أن نكتب بمداد القلب، لا بالحبر فقط. أن نحبّ الحقيقة، لا أن نستخدمها."

رجل من نور

الأب يوسف مونس هو أكثر من مجرد كاهن، إنه رمز حي للذاكرة الدينية والفكرية في لبنان. في زمن يبحث فيه الناس عن معنى حقيقي للحياة، يقدّم الأب مونس هذا المعنى في كل كلمة ينطق بها، في كل صلاة يرفعها، وفي كل حياة يلمسها. لقد قال في أحد أيامه: "متّ وقمت… وها قد أتممتُ رسالتي وحان وقت رحيلي"، لكنه لم يرحل في الحقيقة. بقي فينا، في كل من قرأ له، أو صلّى معه، أو سمعه يهمس: "الله محبة… والمحبة لا تسقط أبدًا".

هذه السيرة هي شهادة على رجل اختار أن يكون صوت الحق وَسَط العَتَمَة، ونموذجًا للإنسان الذي يعيش محبة الله ويعبّر عنها بكل أعماله.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment