لماذا نصدّق المنجّمين؟ قراءة في الخوف الجماعي وصناعة الوهم

01/03/2026 - 05:25 AM

San diego

 

 

ربى أبو فاضل 

مع اقتراب نهاية السنة الميلادية، تتكاثر على الشاشات اللبنانية والفضائيات العربية برامج الأبراج والتنجيم، في مشهد يزدحم بالعرافين والمنجمين، الذين يسوقون تنبؤاتهم للعام الجديد. وفي لبنان، حيث تتشابك الحياة اليومية مع التقاليد الدينية والثقافية، يؤدي التنجيم دورا متناقضا، فهو من جهة وسيلة للتسلية، وتخفيف الضغوط النفسية المرتبطة بنهاية عام مثقل بالأزمات، ومن جهة أخرى يثير جدلا واسعا حول تأثيره في المعتقدات الفردية، واتخاذ القرارات المصيرية، إذ يعتمد بعض الأشخاص على هذه التوقعات في خياراتهم المالية والمهنية والعاطفية.

ورغم الانتقادات المتكررة، تحافظ البرامج التنجيمية على قاعدة جماهيرية ثابتة، بل ومتزايدة، خصوصا بين فئات الشباب والنساء، اللواتي يتابعن الأبراج اليومية والشهرية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل التنجيم مجرد ترفيه موسمي عابر؟ أم أنه انعكاس لفراغ معرفي، ورغبة عميقة في التحكم بالمستقبل، داخل مجتمع يرزح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة؟

يعرف التنجيم بأنه اعتقاد يربط بين مواقع وحركات الأجرام السماوية، وحياة الإنسان وشخصيته ومستقبله، ويعتمد على تفسير هذه الحركات للتنبؤ بالأحداث، رغم غياب أي دليل علمي يثبت صحته، ما يجعله مصنفا في خانة الخرافات وفق الإجماع العلمي. جذوره تمتد إلى الحضارات القديمة مثل البابلية والسومرية، قبل أن ينتشر لدى شعوب أخرى، ثم يفقد مكانته العلمية ليصبح من فنون العرافة، ليعود في العصر الحديث بأشكال إعلامية جديدة.

الخوف الجماعي

في هذا السياق، يوضح الاختصاصي في علم النفس في جامعة سيدة اللويزة (NDU) الدكتور شادي رحمة " أن «خوف الإنسان من نهاية الدورات ليس ظاهرة مستجدة، بل شعور جماعي رافق البشرية منذ القدم. فمع كل نهاية دورة زمنية، سواء كانت فلكية أو طبيعية، كالكسوف والخسوف أو الانتقال من سنة إلى أخرى، يميل الإنسان إلى ربط هذه اللحظات باحتمالات كارثية وشيكة». ويشير إلى أن «هذا القلق يتضخم عند محطات زمنية رمزية، كالألفيات أو السنوات المفصلية (مثل 2000 و2020)، حيث تنتشر سرديات سوداوية تغذي الخوف الجماعي، ما يدفع بعض الناس إلى اللجوء إلى المنجمين والعرافين بحثا عن الطمأنينة. فالمجهول يولد الخوف، ومحاولة معرفته أو توقعه تمنح الإنسان شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، يخفف من التوتر النفسي، ولو كان هذا الشعور زائفاً».

“الدعاية الانتقائية”

ويضيف أن «الاستماع إلى التوقعات المستقبلية، قد يمنح بعض الأفراد إحساساً بالاستعداد للسنة الجديدة، وهو ما ينعكس حتى على المستوى الفيزيولوجي، من خلال تهدئة الاستجابة الهرمونية المرتبطة بالقلق، إلا أن هذا السلوك لا يرتبط بالخوف وحده، بل يتقاطع أيضاً مع الفضول الإنساني، إذ يسعى البعض لمعرفة «ما الذي سيحدث» بدافع الحشرية، حتى وإن لم يكونوا مؤمنين فعلياً بالتنجيم».

إحصائيات محلية أظهرت أن نحو 40% من اللبنانيين يطلعون على الأبراج بشكل دوري، منهم من يقتصر على التسلية، ومنهم من يتأثر بها في قراراته اليومية، سواء في المجال العاطفي أو المهني أو المالي.

وفي تحذير واضح، يلفت رحمة إلى الآليات التي يعتمدها المنجمون لتعزيز صدقيتهم، مشيراً إلى ما يسميه «الدعاية الانتقائية»، «فغالبيتهم يقرؤون الواقع السياسي والاقتصادي والمناخي العالمي، ويبنون عليه تنبؤات عامة، يصيب بعضها بحكم الاحتمال، فيما يخطئ الكثير منها، غير أن ما يتم تداوله لاحقاً هو فقط التوقعات التي تحققت، بينما تهمَل تلك التي لم تصب، ما يخلق لدى الجمهور انطباعاً مضللاً بالدقة والقدرة على التنبؤ».

ويؤكد أن «العودة إلى تنبؤات أي منجم بعد مرور عام كفيلة بكشف هذه الآلية، إذ تظهر بوضوح نسبة عالية من التوقعات التي لم تتحقق، «ليس كل ما يُقال يكون صحيحاً، لكن ما يسلط عليه الضوء هو فقط ما صادف ووقع»، وحذر من الانسياق خلف هذا المنطق.

الاستثمار السياسي

ولا تقتصر خطورة التنجيم، بحسب رحمة، على الأثر النفسي الفردي، بل «تتجاوز ذلك إلى المجال العام، إذ إن ارتباطه العميق بقلق الإنسان ومخاوفه، جعله أداة قابلة للاستثمار السياسي. ففي مراحل تاريخية مختلفة، لجأ بعض السياسيين إلى التعاون مع منجمين أو مروجي تنبؤات، بهدف تسويق أفكار أو خلق مناخ نفسي معين داخل المجتمع، في ممارسة قديمة تظهر كيف يمكن استغلال المعتقدات الشعبية لخدمة أجندات سياسية.»

ويختم رحمة بالتشديد على «أن الوقاية النفسية لا تكمن في منع التنجيم أو ملاحقته، بقدر ما تكمن في عدم منحه أهمية مفرطة، فحتى وإن دفع الفضول بعض الناس إلى الاستماع، فإن الإصغاء المتكرر قد يتحول تدريجياً إلى تصديق غير واع»، ويؤكد أن «التقليل من استهلاك هذا النوع من الخطاب، والتعامل معه بوعي نقدي، يشكل بحد ذاته خطوة أساسية لحماية الأفراد والمجتمع من تأثيراته النفسية السلبية».

رأي الدين المسيحي

أما من الناحية الدينية، فيؤكد خادم رعية مار ميخائيل نابيه المارونية الخوري نعيم صقر «أن المسيحية ترفض بشكل قاطع التنجيم والتبصير والتنبؤات المستقبلية، معتبرة إياها ممارسات تتعارض مع الإيمان بالله، فالاعتماد على مواقع الكواكب، أو قراءة الأبراج والفنجان، أو محاولة التواصل مع الأرواح، يحول القلب عن الله، ويزرع خوفا زائفًا أو رجاء كاذبا، ويجعل الإنسان يعتمد على قوى غير الله».

وأضاف أن «الكتاب المقدس حذر في تثنية 18: 10–12 من كل أشكال العرافة والتنجيم، كما قدم أعمال الرسل مثالا عمليا، حين طرد بولس الرسول روح العرافة من فتاة كانت تتنبأ لكسب المال. كذلك حذر البابا يوحنا بولس الثاني من الانخراط في حركات العصر الجديد، التي تمزج بين التنجيم والروحانيات الزائفة، مؤكدا أهمية التسليم لمشيئة الله بدل البحث عن السيطرة على المستقبل بوسائل غيره».

رأي الدين الإسلامي

من جهته، يرى الإسلام أن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله، وأن غالب من يدعون التنبؤ بالمستقبل هم من المنجمين الكاذبين الذين يستغلون الناس، فلا يليق بالعاقل أن يهدر وقته في هذه التخمينات إلا من باب التسلية، مع ضرورة التوكل على الله والعمل بأحكامه لضمان مستقبل مشرق، والتحذير من الانجراف وراء التنجيم لما قد يسببه من إحباط نفسي أو تضليل المجتمع.

ماذا يقول القانون؟

رغم الإجماع الديني على رفض التنجيم وممارسات العرافة، اقتصر القانون اللبناني على المادة 768 من قانون العقوبات، التي تعاقب كل من يتعاطى بقصد الربح مناجاة الأرواح أو التنجيم أو قراءة الكف أو الورق، مع تشديد العقوبة في حال التكرار وإمكان الإبعاد للأجانب.

مصدر حقوقي أشار إلى أن «القانون يشترط وجود قصد الربح كعنصر جوهري، غير أن بعض المنجمين حاولوا التحايل عبر الظهور الإعلامي بدون أجر مباشر، في حين يكفي القانون تحقق الربح بطريقة غير مباشرة مثل الإعلانات أو الشهرة»، مضيفاً «لا بد من تعديل المادة 768، عبر توسيع مفهوم الربح، إخضاع الظهور الإعلامي للتجريم، رفع الغرامات، وتحويل الجريمة إلى جنحة من المرة الأولى، كما يفترض بالمجلس الوطني للإعلام أن يشدد في الرقابة على مضمون البرامج، التي تروج لمثل هذه الممارسات، وأن يتخذ الإجراءات القانونية والتأديبية المناسبة لوضع حد لها».

وختم المصدر الحقوقي قوله «على السلطة التشريعية العمل على تحديث النصوص القانونية ذات الصلة، ليس فقط في ما يتعلق بالمادة 768، بل على مستوى كامل المنظومة القانونية، لضمان ضبط هذه الظواهر وحماية المجتمع من الاستغلال والخرافات».

التحدّي الأكبر

في النهاية التنجيم قد يخفف القلق مؤقتا، لكنه لا يمنح أي ضمان لمستقبل آمن، بل قد يتحول إلى أداة استغلال نفسي أو اجتماعي.

في ظل هذا الواقع، يصبح التثقيف النقدي، والوعي الديني، والرقابة القانونية، أدوات أساسية لحماية الأفراد والمجتمع من تأثيرات التنجيم، مع التأكيد على ضرورة تحديث المنظومة القانونية، بما يكفل ضبط هذه الظواهر ومنع استغلالها.

ويبقى التحدي الأكبر هو القدرة على التمييز بين الفضول العابر والاعتماد الفعلي على هذه الممارسات في الحياة اليومية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment