يجب أن يكون السلام أعزلًا ويُجَرِّد من السِّلاح
لماذا يقول البابا لاوون الرابع عشر إن العالم ينسى السلام، وما هي التكاليف التي سنتكبدها نتيجة لذلك؟
بقلم: شربل عبد الله أنطون
نقول إننا نريد السلام، لكن الأرقام تحكي قصة مختلفة. في غزة والسودان واليمن وسوريا، قُتل عشرات الآلاف من البشر في عامٍ واحد فقط، وأُبيدت عائلات بأكملها، وسُرق مستقبل شعوب، وانتهت حياة أطفال قبل أن تبدأ. عندما تصبح الحرب روتينًا، وتتحول هذه الخسائر إلى مجرد ضجيجٍ، يموت شيءٌ في داخلنا أيضًا.
هذا هو معنى أن ندخل عصرًا تصبح فيه الحرب طبيعية، والسلام فكرة ساذجة: عندما نتوقف عن رؤية الناس ونبدأ برؤية أرقام الإحصائيات، يكون الانهيار الأخلاقي قد بدأ بالفعل. للتذكير فقط، أكثر من 80,000 شخص قُتلوا في عام 2025 في غزة والسودان وسوريا واليمن — ولم يختر أيٌ منهم الحروب التي قتلتهم.
رسالة أخلاقية في زمن التطبيع مع العنف
وفي ظل هذا المشهد المروّع من الخسارة البشرية، يقدّم البابا لاوون الرابع عشر رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام. النصّ لا يبدو كتأملٍ احتفالي، بل كإنذارٍ أخلاقي. إنه لا يتحدث في فراغ، بل في عالمٍ أصبحت فيه الحرب ضجيجًا محيطًا بحياتنا، ومعاناة الشعوب تُمتص وتُنسى مع الوقت، وفكرة السلام نفسها تُعامل كأنها سذاجة.
رسالة البابا تصدم لأنها تواجه التطبيع الصامت للعنف الذي بات يشكّل الآن الحياة العالمية.
ومع دخول العالم عامًا جديدًا مليئًا بالصراعات والاستقطاب والتسلّح المتزايد، يطلق البابا أكثر النداءات إلحاحًا في عهده؛ إن رسالته بمناسبة اليوم العالمي التاسع والخمسين للسلام ليست مجاملة دبلوماسية، بل تحذير ونداء لعالمٍ بدأ ينسى معنى السلام.
"يجب أن يكون السلام أعزلًا ويُجَرِّد من السِّلاح"، يقول البابا.
في لحظةٍ تضخ فيها الدول موارد غير مسبوقة في الأسلحة والمراقبة والردع، تتعارض رسالة البابا مع التيار السائد في التفكير العالمي. وهذا بالضبط ما يجعلها مهمة.
وهم أن الأسلحة تصنع الأمان
في قلب الرسالة، هناك فكرة بسيطة لكنها جذرية: لا يمكن بناء السلام على منطق القوة المسلحة. تتعامل المجتمعات الحديثة بشكل متزايد مع القوة العسكرية كأساس للأمن، لكن البابا يرى أن هذا التفكير مُفسدٌ روحيًا ومدمّرٌ استراتيجيًا: "نحن ننسى السلام، وفي نسيانه، نخاطر بنسيان إنسانيتنا."
هذه ليست دعوة للسذاجة، بل تذكير بأن أقوى دول العالم تنجرف نحو رؤية تعتبر الحرب طبيعية، والسلام غير واقعي، والخوف هو المبدأ المُنظِّم للحياة العامة.
تطبيع الحرب
من أكثر المواضيع المثيرة للانتباه في الرسالة هو قلق البابا من أن الحرب أصبحت أمرًا طبيعيًا من الناحية النفسية. فالصراعات التي كانت تصدم الضمير في السابق، أصبحت الآن جزءًا من ضجيج الحياة اليومية. ويتزايد الخطاب السياسي الذي يصور السلام على أنه أمر مستحيل أو حتى غير مرغوب فيه.
"لا يمكن لثقافة الخوف أن تُنتج ثقافة السلام."
هذا التحول ليس سياسيًا فقط — بل ثقافي أيضًا. إنه يؤثر على كيفية تعليم الأطفال، وكيفية تناول الإعلام للأحداث العالمية، وكيف تتخيّل المجتمعات مستقبلها. فعندما يصبح الخوف هو النظرة السائدة، يصبح السلام مجرد مفهومٍ مجرد.
التسلّح وتصاعد الحروب التكنولوجية
يُولي البابا اهتمامًا كبيرًا لتسارع وتيرة عسكرة العالم. فالإنفاق العسكري العالمي يرتفع بوتيرة لم نشهدها منذ الحرب الباردة. ولا يزال الردع النووي محوريًا في العقيدة الاستراتيجية للدول.
وتهدد أشكال الحرب الجديدة — وخاصة الأنظمة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي — بإبعاد الضمير الإنساني عن قرارات الحياة والموت.
"عندما تحلّ التكنولوجيا محلّ الضمير، تُصبح الإنسانية في خطر."
هذا ليس رفضًا فاتيكانياً للتكنولوجيا، بل تحذير من أن الحرب كلما أصبحت أكثر آليةً، أصبح شنّها أسهل وإيقافها أصعب.
أزمة قيم
يُجادل البابا بأن العالم لا يمر بأزمة جيوسياسية فحسب، بل بأزمة أخلاقية وثقافية أيضًا. فالأجيال الشابة تتشكّل بفعل الخوف لا الأمل، والذاكرة التاريخية تتلاشى، ودروس الحروب الماضية — التكلفة، والصدمة، والدمار الأخلاقي — تختفي من الوعي العام.
"يجب أن نُعلّم السلام، وإلا سنُعلّم الخوف."
ويُصرّ البابا على ضرورة إعادة توجيه التعليم نحو تنمية التعاطف والحوار والخيال الأخلاقي، وبدون ذلك ستستمر المجتمعات في الانجراف نحو المواجهة.
السلام يبدأ في قلب الإنسان
من أقوى أجزاء الرسالة إصرار البابا على أن السلام ليس مجرد مشروع دبلوماسي، بل مشروع روحي:
"نزع السلاح يبدأ من داخلنا."
إنها دعوة إلى التواضع والرحمة والتحوّل الداخلي. فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل حضور العدالة والمغفرة والكرامة الإنسانية.
الحوار هو الطريق الوحيد المستدام
رسالة البابا واضحة لا لبس فيها: الحوار هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يمنع وقوع كارثة. يجب تعزيز القانون الدولي والدبلوماسية والمفاوضات، لا التخلي عنها.
"ينمو السلام حيث يتم اختيار الحوار بدلًا من الهيمنة."
هذه ليست مثالية، بل واقعية تذكّرنا بكلفة النسيان.
المجتمعات كـ«بيوت للسلام»
يختتم البابا رسالته برؤية تجمع بين البعد الشخصي والعالمي: فكل بيت، وكل مجتمع، وكل مؤسسة يمكن أن تصبح منبعًا للسلام. إن العدالة التصالحية، والتضامن، والمشاركة اللاعنفية ليست مُثلًا عليا مجردة، بل ممارسات تُشكّل النسيج الأخلاقي للمجتمع.
"كل بيت، وكل مجتمع، يمكن أن يصبح بذرة للسلام."
لا يُبنى السلام في قاعات الدبلوماسية فحسب، بل يُبنى في الحياة اليومية. وهذه هي الخدمة الأساسيّة التي يجب أن تقوم بها الأديان تجاه الإنسانيّة المتألّمة، فترصد وتتصدى للمحاولات المتزايدة لتحويل حتّى الأفكار والكلمات إلى أسلحة.
الأمل كواجب أخلاقي
تختتم الرسالة البابوية بدعوة إلى الرجاء — لا التفاؤل — بل الشجاعة الأخلاقية: "الرجاء ليس تفاؤلًا؛ إنه رفض الاستسلام للخوف". في عالمٍ ينجرف نحو الخوف المسلّح، يصبح الرجاء فعل مقاومة.
تأملٌ أخير
رسالة البابا لاوون الرابع عشر ليست مريحة، ولم يكن الهدف منها أن تكون كذلك. إنها تذكير بأن الإنسانية تقف عند مفترق طرق: طريقٌ يقود إلى خوفٍ أعمق، وتسلّحٍ أكبر، وتطبيعٍ للصراع؛ وطريقٌ آخر يتطلّب شجاعة أخلاقية، وتواضعًا، والتزامًا متجدّدًا بكرامة الإنسان. فالسلام يبدأ عندما نقرّر أن كل حياةٍ إنسانية مهمة وتستحق أن تُحترم. والإنسانية تحيا فقط إذا بقي ضميرنا حيًا.












01/02/2026 - 19:22 PM





Comments