دبي - ألفة السلامي
وجدت بالصدفة في دبي خلال احتفالات رأس السنة. لست من المغرمين بمثل هذه الاحتفالات، ربما بحكم تقدم العمر حيث تنتفي الدهشة تدريجيًا حتى مما يدهش الناس، لكن وجود ملايين السياح الوافدين من كافة أرجاء العالم إلى دبي والإمارات العربية المتحدة أمر يدعو إلى التفكير في أسباب هذا النجاح الذي تبحث عنه كل الدول والمقاصد السياحية!
لن أتحدث عن الزيادة الهائلة في حجوزات الفنادق ولا النشاط القوي في حركة الطيران والمبيعات في المتاجر والمطاعم ولا حتى الألعاب النارية وعروض الطائرات بدون طيار والطائرات المسيرة لمدة 62 دقيقة في أبو ظبي والتي حطمت الرقم القياسي العالمي، لكني سأروي المظاهر التي جعلت ملايين السياح يختارون هذه الوجهة لقضاء عطلة نهاية السنة ولتحقيق أرقاما قياسية في المداخيل السياحية تجاوزت خلال عام 70 مليار دولار وبزيادة مطردة كل عام. بالتأكيد، اهتمامات الأجيال الشابة الآن مختلفة عن اهتمامات جيلي، ولأن دبي هي مدينة شابة بامتياز وقد لا تخاطبني ولا من هم في عمري فهي منكبة على جلب كل ما يسترعي انتباه الأطفال والشباب وبالتالي تواصل في توجيه عائلاتهم لاختيار هذا المقصد السياحي. لذلك، لم أستغرب وجود "روبوتات ذكية" صغيرة تتجول وسط الحشود في "بوليفارد الشيخ محمد بن راشد" مهمتها ليست أمنية فقط كما تراءى لي لأول وهلة، بل تقديم زجاجات مياه وكمامات مجانية وتنبيه الناس باختيار مداخل المترو الأقل زحاماً وهي تتحدث بـ 12 لغة مختلفة، مما جعل السياح يلتقطون "سيلفي" مع الروبوتات أكثر من برج خليفة نفسه!
ولأن عيني كانتا تبحثان عن المشترك في تلك الليلة بيني وبين هذه الجموع التي جاءت من كل حدب وصوب وتمثل أكثر من 190 جنسية من مختلف أرجاء العالم، لذلك اعجبتني لقطة رصدتها الكاميرات في منطقة "نخلة جميرا" لشاب اختار لحظة انطلاق أول شرارة للألعاب النارية منتصف ليلة رأس السنة ليطلب يد صديقته للزواج وسط آلاف الغرباء. الجميل أن الجمهور المحيط بهما توقف عن تصوير الألعاب النارية وبدأ بتصوير "الخطوبة"، ليصبح الفيديو "تريند" عالمي في ساعات الصباح الأولى من 2026. وهكذا هو الحبّ قادر دائما على جذب القلوب وتحقيق الألفة والتعبير عن المكان!
كما لفت نظري احتفال بـ 7 "رؤوس سنة" في ليلة واحدة، حيث شهدت "القرية العالمية" في دبي موقفاً طريفاً ومميزاً تمثل في احتفال الزوار برأس السنة 7 مرات في ليلة واحدة؛ فمع كل دولة يدق فيها جرس العام الجديد عندما يحل منتصف الليل بالتوقيت المحلي مما خلق حالة من الفرح المتكرر الذي لا ينتهي مع مشاركة السياح لهذا الجو المبهج مع عائلاتهم في مواطنهم الأصلية. أما أغرب التجارب السياحية الطريفة والفاخرة فتمثلت في العشاء تحت الماء في "أتلانتس" أو استقبال العام الجديد في منطاد هوائي يحلق فوق صحراء دبي، في تجارب غير تقليدية يبحث عنها الشباب الآن!
وفي سابقة فريدة، تم عرض لقطات مباشرة على شاشات كبيرة في الشوارع لاحتفالات دبي وأبو ظبي تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية الإماراتية (محمد بن زايد سات)، حيث ظهرت الإمارات من الفضاء كأنها قطعة من الذهب المتوهج بفعل ملايين الألعاب النارية المتزامنة.
لكن أكثر القصص الجميلة التي استرعت انتباهي لمعناها الإنساني الغامر تنظيم احتفال ضخم لآلاف العمال الذين يساهمون في بناء المدينة؛ حيث تم تخصيص مناطق احتفال لهم تضمنت عروض "بوليوود" وسحب على تذاكر طيران مجانية لزيارة أسرهم، مما جعل البعض يطلق على ليلة رأس السنة "ليلة الوفاء والتقدير". كما لفت نظري أيضا وجود مستشفى ميداني أقامته شرطة دبي قرب برج خليفة للتعامل مع أي حالات طارئة وسط الحشود المليونية، ناهيك عن تخصيص طرق أقل ازدحام لذوي الإعاقة وكبار السن وعائلاتهم.
ومن اللقطات الإنسانية الطريفة أيضا في دبي ولادة توأم في سنتين مختلفتين، وهي الولادة التي سميت الدقيقة الأولى وتصادف ولادة الطفل الأول في الساعة 11:59 ليلاً (عام 2025) والثاني في الساعة 12:01 صباحاً (عام 2026)، مما جعل الأخوين من "عامين مختلفين" رسمياً، وهي مفارقة طريفة ميزت مواليد العام الجديد، واحتفلت بها المواقع الإخبارية المحلية. ولا أخفي عليكم حالة الدهشة التي انتابتني ولامست الخوف بمجرد أن التقطت عيني مشاهد جحافل الناس المتجهين عبر الكبارى التي تعلو البحر إلى مارينا دبي بتفريعاتها المختلفة لمشاهدة الألعاب النارية قبيل منتصف الليل، حيث أغلقت الشرطة الطرق أمام السيارات لتفسح المجال فقط للمارة سيرا على الأقدام. حبست أنفاسي وتملكني هلع خوفا من سقوط الكبارى من كثرة من عليها. لكن ما استرعى انتباهي أن الغالبية العظمى من هذه الآلاف المؤلفة جاؤوا إلى هذه الوجهة خلال احتفالات رأس السنة باستخدام وسائل النقل العام، وبالفعل أكدت إحصائية صادرة عن هيئة الطرق والمواصلات أن أكثر من مليونين ونصف راكب (2.502.48) استخدموا النقل العام؛ خطي مترو دبي الأخضر والأحمر (1.134 مليون)، وترام دبي (55.4 ألف)، والحافلات العامة (لوحدها نقلت نصف مليون راكب) والنقل البحري (أكثر من 80 ألف راكب) وتطبيقات سيارات الأجرة (190 ألف راكب). وأهم شيء هنا هو كيفية إدارة هذه المنظومة بخطة محكمة وسلاسة وأمان ودون حوادث رغم الأعداد الهائلة التي تستخدم وسائل الموصلات في وقت واحد وتسير في تلك الطرق والشوارع بهدوء.
أما ما لفت نظري أكثر فهو بعد انتهاء الاحتفالات حيث كانت الفوضى عارمة في الشوارع بسبب مخلفات آلاف الزائرين، لكن في لمح البصر انتشر "الأبطال" ليعيدوا للمدينة بريقها في سرعة مذهلة وقد بدأت عملية التنظيف الشاملة ليلا وفور انتهاء العد التنازلي، لتستيقظ دبي في صباح الأول من يناير وكأن الحشود المليونية لم تمر من هنا أبداً. ومن أكثر القصص التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي استعادة سائح آسيوي حقيبته التي كانت تحتوي على مبالغ مالية كبيرة وساعات ثمينة، كان قد فقدها وسط زحام المليون شخص في منطقة برج خليفة، ليتفاجأ باتصال الشرطة به قبل أن يدرك هو نفسه أنها فُقدت، وذلك بفضل كاميرات المراقبة الذكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ربما ما ذكرته سابقا من قصص تحمل أبعادا إنسانية هي ما جعلت احتفالات 2026 في الإمارات تتجاوز مجرد "ألعاب نارية" لتصبح تجربة إنسانية متكاملة تستحق أن تروى.












01/02/2026 - 06:21 AM
.jpg)




Comments