عصام أبوبكر
وعد رئيس بلدية نيويورك الجديد زهران ممداني الخميس في خطاب تنصيبه بأن "يضرب مثالًا يُحتذى به للعالم" عبر إثباته أن "اليسار يمكنه أن يحكم ، حقيقة فوز زهران ممداني في انتخابات نيويورك لا يمكن قراءته كحدث محلي عابر، بل كإشارة سياسية واقتصادية تفضي إلى مرحلة جديدة في المدينة التي تُعدّ مركز المال والإعلام والنفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، ففي مدينة تُقدّر ثروات سكانها الخاصة بأكثر من 3 تريليونات دولار، ويعيش فيها ما يقارب مليون يهودي من أصل نحو 10 ملايين نسمة في الولاية، تفرض موازين القوى الاقتصادية والاجتماعية على أي سياسي أن يتحرك بحذرٍ ودقّة بين مراكز النفوذ، دون صدام مباشر مع القوى التي تتحكم في مسار الاقتصاد والاستثمار.
اليهود في نيويورك قوة اقتصادية لا يمكن تجاهلها فهم ليسوا مجرد مكوّن ديني، بل قوة اقتصادية وثقافية مؤثرة في مفاصل المدينة.
في بروكلين وحدها يعيش أكثر من 460 ألف يهودي، وفي مانهاتن نحو 277 ألفًا، وكوينز حوالي 150 ألفًا، فيما يتوزّع الباقون بين ستاتن آيلاند والبرونكس.هذه الكتلة السكانية تتمتع بشبكات نفوذ واسعة في المال، العقارات، الإعلام، والفنون، وتمتلك وزنًا انتخابيًا لا يمكن لأي مرشح أن يتجاهله.
وقد هنأ اليهود ممداني في نيويورك لقاءً جمع بين عدد من القيادات الدينية والسياسية اليهودية مع زهران ممداني بعد فوزة برئاسة بلدية المدينة، وخلال اللقاء عبّر الحاضرون من الجالية اليهودية عن تهانيهم ودعمهم للتعاون المشترك في قضايا العدالة الاجتماعية ومكافحة الكراهية، مؤكدين على أهمية "العيش المشترك واحترام التنوع الديني والثقافي" في المدينة.
لكن زهران ممداني المسلم من أصول جنوب آسيوية، يحمل فكرًا شيوعيًا يساريًا واضحًا، يقوم على المساواة الاقتصادية ورفض التراتبية الطبقية.لكن في الوقت ذاته، يُدرك أن الواقع السياسي الأمريكي لا يحتمل الشعارات الأيديولوجية، لذلك يظهر بمظهر "المسلم المتوازن" الذي يتحدث عن العدالة والمساواة ليحظى بدعم الطبقة التقدمية.
غير أن افتخاره بكونه مسلمًا لا يُعبر بالضرورة عن قناعة دينية عميقة، بقدر ما هو وسيلة ذكية لجذب رؤوس الأموال العربية والإسلامية – خصوصًا الخليجية – إلى مشاريعه الاقتصادية والسياسية.
إنها براغماتية مقنّعة بالهوية، هدفها كسب دعم مالي عربي دون المساس بالعلاقات الاقتصادية المتشابكة في نيويورك، التي يسيطر عليها رأس المال اليهودي.
فرأس المال اليهودي يهيمن على قطاعات المال والإعلام والعقارات في المدينة، وهو ما يجعل أي سياسي حتى لو كان مسلمًا أو عربي الأصل مضطرًا للتعامل بمرونة مع هذه المنظومةولهذا، فإن ممداني لن يتخلى عن التواصل مع إسرائيل كمركز نفوذ اقتصادي عالمي، لأنه يعلم أن الاستثمار اليهودي هو جزء أساسي من توازن القوة في نيويورك.
كما أن خطاب المصالح فوق الانتماءات والهويات سيغلب علي معظم توجهاتة وأراءه ،فالسياسة في نيويورك لا تُدار بالعواطف أو الخطابات الأيديولوجية، بل بالمصالح وجود ممداني في هذا الموقع السياسي قد يجبره على الموازنة بين قاعدته التقدمية التي تميل إلى العدالة الاجتماعية، وبين الواقع الاقتصادي الذي تفرضه شبكة العلاقات المالية في المدينة. ومن المرجّح أن يتّجه نحو خطابٍ واقعي يجمع بين الانفتاح على الاستثمارات العربية من جهة، والتواصل الاقتصادي مع إسرائيل من جهة أخرى.
ومن هنا أرى أن المصلحة في توجهات ممداني الفترة القادمة ستكون فوق الهوية حيث أن فوز ممداني يعبّر عن تحوّل في بنية السياسة الأمريكية المحلية، فلم يعد الانتماء الديني أو القومي معيارًا للتمثيل، بل القدرة على إدارة المصالح.ولعل ما يميز هذه المرحلة أن "الهوية" أصبحت غلافًا سياسيًا يُستخدم لتسويق خطابٍ واقعيٍّ مصلحي، أكثر من كونها دافعًا أيديولوجيًا حقيقيًا.
الواقع إن فوز ممداني لا يُعد انتصارًا دينيًا، بل تجسيدًا للواقعية الجديدة التي تحكم المدن الكبرى في العالم:الاقتصاد قبل الأيديولوجيا، والمصلحة قبل الهوية.وفي نيويورك تحديدًا، حيث يتقاطع المال مع الإعلام والسياسة، لن يكون أمام ممداني سوى خيارٍ واحدٍ للبقاء أن يكون مرنًا بما يكفي ليجمع بين الجميع، دون أن يخسر أحدًا.












01/02/2026 - 06:02 AM





Comments