توقيف الشيخ خلدون عريمط في ملف "أبو عمر": تحقيقات تتسع وتداعيات تتعمق

01/01/2026 - 15:02 PM

secureaisystems

 

 

تحقيق اخباري من اعداد جورج ديب

انطلقت فصول ما بات يُعرف إعلاميًا بـ«قضية أبو عمر» من ادعاءات بانتحال صفة «أمير» سعودي من قبل المدعو مصطفى الحسيان، ما أدى إلى استدراج شخصيات سياسية وإعلامية وادعاءات بوعود نفوذ ودعم خارجي، ثم إلى شكاوى رسمية وفتح تحقيقات قضائية واسعة. مع توالي الاستدعاءات، دخلت القضية مرحلة جديدة بعد قرار النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار توقيف الشيخ خلدون عريمط على ذمّة التحقيق، ما أعاد القضية إلى واجهة الاهتمام العام وأثار تساؤلات حول مدى تعقيد الشبكة المتورطة ومدى امتدادها إلى أوساط سياسية واجتماعية مختلفة.

ملابسات التوقيف والإجراءات القضائية الأخيرة

أفادت مصادر رسمية أن قرار توقيف الشيخ خلدون عريمط صدر بعد خضوعه لجلسة استجواب مطوّلة لدى مديرية المخابرات في الجيش، بإشراف مباشر من القاضي جمال الحجار، وذلك في إطار تحقيقات تتعلق بعمليات ابتزاز مالي طالت سياسيين وشخصيات عامة عبر المدعو مصطفى الحسيان المعروف بلقب «أبو عمر». وقد تزامن هذا القرار مع استدعاءات وإفادات أخرى أدت إلى توسيع دائرة التحقيقات، بما في ذلك استجواب رجال أعمال وشخصيات سياسية بارزة، في مؤشر إلى أن الملف لم يعد محصورًا في اسم واحد بل يمتد إلى علاقات وتعاملات مالية وإعلامية معقدة.

تباينت الروايات حول ظروف التحقيق وطبيعة الأدلة المقدمة، إذ نقلت تقارير أن بعض الأطراف المتهمة قد قدمت دفوعًا تتعلق بطرق الحصول على الاعترافات ومصداقية الشهادات، بينما أكدت جهات قضائية أن الإجراءات اتخذت وفق الأصول وأن قرار التوقيف جاء كإجراء احترازي تمهيدًا لاستكمال التحقيقات وتحليل الأدلة الرقمية والمادية.

من "الأمير الوهمي" إلى تحقيقات قضائية كبرى

أسماء بارزة وردت في سياق التحقيق وأدوارها المزعومة

أشارت تقارير صحفية ومصادر قضائية إلى أن التحقيقات لم تقتصر على مصطفى الحسيان والشيخ خلدون عريمط والشيخ خالد السبسبي، بل شملت أسماء أخرى مثل  النواب فؤاد مخزومي وغسان حاصباني و محمد سليمان والرئيس فؤاد السنيورة والنائب السابق ميشال فرعون ورجل الأعمال أحمد حدارة والوزير الأسبق محمد شقير، إضافة إلى شخصيات سياسية وإعلامية قد تُستدعى لاحقًا لتوضيح علاقاتها أو تعاملاتها مع «أبو عمر» أو مع وسطاء محتملين في شبكة الاحتيال والابتزاز. هذه الأسماء، سواء أُكدت أو نُفت لاحقًا، تضع الملف في خانة القضايا التي قد تحمل تبعات سياسية واجتماعية واسعة إذا ما ثبتت صلات فعلية أو تعاملات مالية مشبوهة.

من جهة أخرى، صدرت نفيّات وتصريحات دفاعية عن بعض الأسماء التي ذُكرت، مؤكدة عدم وجود تعاملات مالية أو تبادل مصالح مع المدعو «أبو عمر»، وهو ما يعكس طبيعة المِلَفّ المتقلبة بين اتهامات واستنكارات ونفيّات متبادلة، ما يجعل مهمة القضاء في التمييز بين الحقيقة والادعاء أكثر تعقيدًا وحساسية.

مواقف المتهمين ودفاعهم الإعلامي والقانوني

في مواجهة الاتهامات، اتخذ بعض المتهمين مسارين متوازيين: المسار القانوني عبر محامين وتقديم شكاوى ضد من اعتبروا أنهم تضرروا من حملات تشهير، والمسار الإعلامي عبر مؤتمرات وتصريحات تنفي أو تبرر أو تشكك في مصداقية الأدلة. على سبيل المثال، وصف الشيخ خلدون عريمط القضية بأنها «كذبة راجح» وادّعى أن بعض الاعترافات جاءت نتيجة ضغوط أو تعذيب، فيما قدّم محاموه شكاوى تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة والافتراء ضد أطراف محددة.

هذا التداخل بين الدفاع القانوني والردود الإعلامية يضع الرأي العام أمام معضلة: كيف يوازن بين presumption of innocence (افتراض البراءة) وضرورة الشفافية في التحقيقات؟ وكيف يمكن للمؤسسات القضائية أن تحافظ على سير العدالة بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والسياسية؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستكون محورية في مسار القضية ونتائجها النهائية.

الأبعاد القضائية والسياسية والاجتماعية للقضية

قضائيًا، تمثل القضية اختبارًا لقدرة النيابة العامة التمييزية ومديرية المخابرات على جمع أدلة رقمية ومالية موثوقة، وتحليل سجلات اتصالات وتحويلات مالية، وربطها بشهادات موثوقة تتيح توجيه تهم قابلة للإدانة أمام المحاكم. قرار توقيف شخصية دينية واجتماعية بارزة مثل الشيخ خلدون عريمط يضع القضاء أمام مسؤولية مضاعفة لضمان سلامة الإجراءات وشرعيتها.

سياسيًا، قد تفضي نتائج التحقيقات إلى اهتزاز ثقة الجَمهور في بعض الأوساط السياسية أو إلى فتح نقاشات حول آليات حماية المؤسسات من استغلال النفوذ والوعود الوهمية. كما أن استدعاء أسماء سياسية قد يؤدي إلى توترات داخل الأحزاب أو تحالفات، ويعيد طرح موضوع الشفافية في التعاملات المالية والسياسية.

اجتماعيًا، أثارت القضية نقاشًا واسعًا حول ظاهرة الاحتيال عبر انتحال الشخصيات واستغلال الثقة، خاصة عندما تستهدف شخصيات عامة أو تستغل رموزًا دينية واجتماعية. كما سلطت الضوء على أهمية التحقق من المصادر قبل تداول الأخبار، وعلى دور الإعلام في تغطية قضايا حساسة دون الإضرار بسمعة أشخاص قد يثبت لاحقًا براءتهم.

تعاطي دار الفتوى يثير التباساً

من جهة ثانية، يثير تعاطي دار الفتوى أيضاً التباساً واضحاً: إذا كان الشيخ خلدون عريمط بريئاً كما يصرّح، فلماذا لم يصدر مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان بياناً يدافع عنه؟ وإذا كان غير بريء، فلماذا لم يتبرأ منه؟ تجدر الإشارة إلى أن عدداً من الشخصيات السنية تطالب دريان باتخاذ موقف حاسم يمنع عريمط من الاحتماء بدار الفتوى، معتبرين أنه يتحمّل مسؤولية ما جرى ويجب محاسبته بغضّ النظر عن عباءته الدينية.​

ما الذي ينتظر القضية؟ سيناريوهات محتملة وخطوات مرتقبة

يتوقع المراقبون أن تتبع النيابة العامة التمييزية خطوات منهجية تشمل: استكمال تحليل الأدلة الرقمية (سجلات مكالمات، رسائل، تحويلات مالية)، استدعاء مزيد من الشهود والأطراف ذات الصلة، وإجراء مقارنات بين الإفادات لتحديد التناقضات أو التطابقات. قد تؤدي هذه الخطوات إلى توجيه تهم رسمية إضافية أو إلى إطلاق سراح موقوفين إذا لم تُثبت التهم، وهو ما يظهر الطبيعة المتقلبة لأي مِلَفّ جنائي معقد.

من ناحية أخرى، قد تشهد الأيام المقبلة مزيدًا من البيانات الرسمية من النيابة العامة أو مديرية المخابرات لتوضيح حيثيات التوقيف والأدلة المتوفرة، وهو أمر ضروري لطمأنة الرأي العام وضمان شفافية الإجراءات القانونية.

قضية «أبو عمر» ليست مجرد ملف جنائي تقليدي؛ إنها مرآة تعكس هشاشة الثقة في بعض العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتضع مؤسسات الدولة أمام اختبار حقيقي في كيفية التعامل مع قضايا تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والإعلامية والسياسية. العدالة تتطلب تحقيقًا دقيقًا، واحترامًا لحقوق المتهمين، وشفافية في الإجراءات، حتى يتسنى للمجتمع أن يثق في نتائجها، سواء أفضت إلى إدانات أو تبرئات. في النهاية، يبقى الأمل أن تُسفر التحقيقات عن كشف الحقيقة كاملة، وأن تُحفظ كرامات الناس وحقوقهم في آن واحد.

 

* إخلاء مسؤولية

ألاخبار والكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في موقع بيروت تايمز الإخباري، لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير، وهي غير مسؤولة ابداً عن أي نص وأو مضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره، ونحن لا نتبنى اي طرح سياسي.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment