شبل الزغبي *
عندما يتحدث اللبنانيون عن خطر حزب الله، يتبادر إلى أذهان كثيرين سلاحه العسكري وصواريخه الخارجة عن سلطة الدولة. لكن هذا الخطر، على جسامته، يبقى أقلّ فتكاً من خطرٍ آخر أعمق وأطول مدى، لا يُرى بالعين ولا يُسمع دويّه في ساحات القتال، بل يُزرع بصمتٍ منهجي في عقول الأطفال: مدارس “المهدي”.
هذه المدارس، التي تُدار تحت إشراف مباشر من مؤسسات حزب الله، لا تكتفي بتدريس المناهج الرسمية اللبنانية، بل تقوم بتشويهها وحقنها بمحتوى عقائدي ديني–سياسي موجّه، يهدف إلى إعادة تشكيل وعي التلميذ منذ سنواته الأولى على أسس أيديولوجية مرتبطة بولاية الفقيه وبمشروع إيراني عابر للحدود، يتقدّم على لبنان ويتفوّق عليه.
في هذه البيئة التعليمية، لا يُربّى الطفل كمواطن لبناني حرّ، بل كجندي فكري في مشروعٍ خارجي. يُعلَّم أن ولاءه الأعلى ليس للدولة اللبنانية، ولا للدستور، ولا لفكرة الوطن، بل لمرجعية دينية وسياسية خارج حدوده. ويُقدَّم له “الجهاد” لا كمفهوم روحي أخلاقي، بل كخيار واقعي، ومسار حياة، وغاية وجود.
المجتمعات التعددية، كلبنان، تقوم على قيم العيش المشترك، والمواطنة المتساوية، والانتماء الوطني الجامع. أمّا عندما تُربّى فئة من اللبنانيين على عقيدة تعتبر نفسها: “حزب الله أولاً… ولبنان ثانياً – إن وُجد”، فإننا نكون أمام عملية تفكيك متعمّد للمجتمع، وزرع انفصال نفسي وثقافي عميق بين أبناء الوطن الواحد.
هذا الانفصال لا يُنتج مواطنين، بل أتباعاً. ولا يبني دولة، بل كياناً موازياً داخل الدولة، يرفض الاندماج في أي مشروع وطني جامع، لأنه يحمل رؤية سياسية ودينية تتناقض جذرياً مع فكرة الدولة المدنية، ومع مفهوم السيادة، ومع مبدأ احتكار الدولة وحدها للتربية والسلاح والقرار.
السلاح العسكري، مهما تعاظم، يمكن نزعه أو تحييده إذا وُجد قرار سياسي حازم أو ضغط دولي فعّال. أمّا السلاح الفكري والعقائدي، عندما يُزرع في عقل الطفل منذ نعومة أظفاره، فإنه يتحوّل إلى جزء من هويته الشخصية، ويصبح تغييره بالغ الصعوبة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
نحن لا نواجه مدرسة، بل مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد، يهدف إلى ضمان استمرارية نفوذ حزب الله وهيمنته، حتى في اليوم الذي قد يفقد فيه سلاحه العسكري.
إنّ السكوت عن هذه المدارس ليس حياداً، بل تواطؤ. وعدم مواجهتها ليس تسامحاً، بل تنازل عن مستقبل لبنان. فالمعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود أو في الميدان، بل في الصفوف الدراسية، حيث يُقرَّر شكل لبنان القادم: دولة أم دويلة، وطن أم ساحة، مواطن أم تابع.
* عضو مجلس القيادة المركزية
حراس الأرز












12/30/2025 - 06:12 AM
.jpg)




Comments