هل للتمني قوة؟ بين العلم والفلسفة والإيمان

12/29/2025 - 18:50 PM

San diego

 

 

بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

يكثر الحديث في زمن الأزمات وعدم اليقين عن «قوّة التمنّي»، وكأنّ الرغبة الإنسانية قادرة بذاتها على تغيير مجرى الواقع. يُروَّج لهذا المفهوم في بعض الخطابات النفسية والروحانية المعاصرة، غالبًا بوصفه بديلًا عن العجز أو تعويضًا عن فقدان السيطرة. غير أنّ هذا الطرح، على جاذبيته، يستحق وقفة نقدية هادئة تميّز بين العلم والفلسفة والإيمان.

من الناحية العلمية، لا تعترف العلوم التجريبية بوجود قوّة مستقلة للتمنّي قادرة على التأثير المباشر في الأحداث أو في قوانين الطبيعة. ما يثبته علم النفس هو أمر مختلف: التمنّي يؤثّر في الإنسان نفسه، لا في الواقع مباشرة. فهو يغيّر التوقّعات، ويؤثّر في الدافعية والسلوك، وقد يقود إلى ما يُعرف بـ«النبوءة التي تحقق ذاتها». لا لأنّ الرغبة سحرية، بل لأنّها تُعيد توجيه الفعل الإنساني.

الفلسفة الكلاسيكية كانت أكثر حذرًا من تضخيم دور الرغبة. عند أرسطو، لا تُقاس قيمة الرغبة بذاتها، بل بقدرتها على التحوّل إلى فعل عقلاني. يميّز بين الميل الطبيعي وبين الاختيار الواعي الذي يمرّ عبر العقل. الرغبة غير المؤطَّرة بالعقل تبقى انفعالًا، أمّا حين تُهذَّب وتُقرَّر، تصبح فعلًا مسؤولًا. لذلك، لا يصنع التمنّي الواقع، بل يصنعه الفعل الناتج عن إرادة عاقلة.

أما الفلسفة الحديثة، وخصوصًا عند إيمانويل كانط، فتضع حدًا أكثر صرامة لأي وهم حول قوّة الرغبة. الأخلاق، في نظره، لا تُبنى على ما نرغبه، بل على الإرادة الخيّرة التي تلتزم بالواجب. التمنّي، مهما كان نبيلًا، لا يحمل قيمة أخلاقية ما لم يتحوّل إلى قرار ومسؤولية. الإنسان، بحسب كانط، لا يغيّر العالم بأمانيه، بل بخياراته.

في اللاهوت المسيحي، يظهر تمييز بالغ الأهمية بين «التمنّي» و«الرجاء». التمنّي قد يبقى حركة داخلية ذاتية، أمّا الرجاء فهو ثقة فاعلة بالله، لا تلغي العقل ولا تُعفي الإنسان من مسؤوليته. الرجاء لا يتعامل مع الصلاة كوسيلة لفرض النتائج، بل كمساحة يتحوّل فيها القلب، وتُنقّى الرغبات، ويُعاد ترتيب الأولويات.

من هذا المنظور، لا تُفهم الصلاة كفعل سحري يغيّر الواقع تلقائيًا، بل كمسار يُقوّي الإنسان ليواجه الواقع بوعي وثبات. فالإيمان لا يعِد بإلغاء الصعوبات، بل بمنح المعنى والقوّة للسير وسطها.

إذاً أنّ التمنّي ليس قوّة خارقة، لكنه ليس بلا قيمة. قيمته الحقيقية تظهر حين يخرج من الوهم، ويمرّ عبر العقل، ويتحوّل إلى قرار مسؤول. غير أنّ هذا القرار، في الرؤية المسيحية، لا يبقى مجرّد موقف داخلي، بل ينفتح بالضرورة على السعي والجهد. فالإيمان لا يضفي شرعية على الأماني المنفصلة عن العمل، بل يعيد توجيه الرغبة لتصبح دافعًا للفعل. التمنّي، حين يُنقّى بالصلاة ويُضبط بالرجاء، لا يُلغى بل يُستثمر، فيتحوّل إلى التزام عملي ومسؤولية واعية.

من هذا المنطلق، لا تُفهم النعمة كبديل عن الجهد الإنساني، بل كقوّة ترافقه وتدعمه. فالله، بحسب التقليد المسيحي، لا يعمل بدل الإنسان ولا يعفيه من مسؤوليته، بل يدعوه إلى التعاون الحرّ معه في صنع المعنى وتحمّل تبعات الاختيار.

فالعالم لا يتغيّر بما نتمناه وحده، بل بما نختاره أن نفعله، حين تتلاقى الإرادة بالعقل، والتمنّي بالسعي، والعمل بالمعنى، والرغبة برجاء مسؤول.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment