أمّا أنا فأقولُ لا .......

12/29/2025 - 07:46 AM

San diego

 

الخوري الدكتور طوني الخوري - خاص النشرة

جاء في إنجيل لوقا، أنّه "لمّا أتى وقت ​إليصابات​ لِتَلِد، وَلَدتِ ابناً...فأراد جيرانها أن يسموه باسم أبيه زكريا عَملاً بالتقاليد، باسمٍ مألوف ومتوارث، ويُشبِه الماضي، فقالت إليصابات: "لا، بل يُدعى يوحنّا" (لو1: 60).

لَم تَكُن " لا " إليصابات رفضاً لإملاءات العائلة، ولا تَمَرُّداً فارغاً أو موقفاً عدائياً تجاه المجتمع. لقد كانت "لا" تحمل صدمةً تُنقذ الفكر من العبودية للموروثات، وتُعيد إليه دوره الخلّاق في صياغة واقعٍ أكثر حياة، وتُحرّر المجتمع من الجمود والتحجّر والتقوقع. هي " لا " الحريّة التي تؤسّس لثقافة ترى الإنسان شريكًا في صناعة التاريخ، لا مجرّد تابعٍ له، وتَكشف عن قدرته على تجاوز المألوف لصالح الحقيقة، وعدم الإستسلام لِسلطة الموروث: هيك كلّن بيعملو، خلّينا نعمل متلُن!.

رفضت إليصابات أن يكون ابنها نسخةً مُكرّرة عن الماضي، وأن يُدعى الطفل "باسمِ أبيهِ زَكَرِيّا" (لو1: 57). رفضت أن يُفرض على طفلها إسم لا يُشبهه، ولا يُشبه دعوته ورسالته، ولا يعكس إرادة الله الذي اختار له اسمه: "إمْرَأَتُكَ إِلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ إبْنًا، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا" (لو1: 13). "يوحنا"، أي "الله حنان"، هذا الحنان سيكشفه الله الآب في ابنه يسوع، الذي سيُمَهّد يوحنا له الطريق.

كشفت "لا" أليصابات عن قدرة الكائن البشري على تجاوز المألوف لصالح الحقيقة، وفعلها هذا أفسح بالمجال لقراءةٍ أعمق تتعلّق بما يمكن تسميته بـ"​ثقافة الأحرار​" التي تقوم على قدرة الإنسان على اتخاذ موقف نقدي، حيث تصبح الـ"لا" علامة ​حرية​ لأنها تصدر عن وعي بالمسؤولية تجاه الحقيقة، لا عن تمردٍ فارغ. وفي الوقت نفسه، علامة رفض لثقافة الجواري التي تقوم على التلقّي والخضوع.

ثقافة الجواري ليست مفهومًا مرتبطًا بالعبودية الاجتماعية وحسب، بل هي صيغة رمزية تشير إلى حالة فكرية تقوم على الخضوع من دون وعي، والتقليد من دون مساءلة، والانقياد من دون رؤية، ومسؤولية شخصية. في هذا السياق، يصبح الإنسان تابعاً لا فاعِلاً، ومستسلِمًا لسلطة الموروث كما لو أنه عبدٌ له، لا شريكاً في صياغة معناه، ويعيش تحت سلطان العادة، لا تحت نور الحقيقة.

مؤسِفٌ كيف نخاف من الــ"لا"! نرتعب من جرأتها، من صلابتها، من قدرتها على هزّ الرّكود في داخلنا وفي مجتمعنا وفي كنيستنا. نعتبرها غير مُربِحة، لأنّ الثقافة السائدة تقول لنا إن النجاح يُقاس بعدد "النعَم" التي نقولها، وعدد الأبواب التي نفتحها حتى ولو فتحناها على حساب قناعاتنا وكرامتنا. ومن يقول "لا"، يُشيطن ويوضع بسرعة في خانة المتمرّد، الخارج عن الصف، " والمُغرّد خارج السّرب" والذي "لا يعرف أين هي مصلحته". وفي هذا الحكم شيءٌ من الحقيقة؛ أوليس من الأسهل للإنسان أن يركب الموجة ليُحقّق نجاحًا معنويًا ومادياً ولو على حساب الحقيقة، من أن يسير بعكس التيار ويُعاني المعاناة القاسية والمؤلمة!.

ولكن السير مع التيار لا يحتاج إلى شجاعة، ولا إلى تمييز، ولا حتى إلى ضمير يقظ. يكفي أن نترك أنفسنا تنجرف، فيأخذنا السيل حيث يشاء. أمّا أن نقول " لا"، فذلك يتطلّب شيئًا آخر: وعيًا، نضجًا، شجاعة، وجرأة داخلية نادرة، وثقة بأنّ الحقيقة تستحق أن تُقال حتى لو دفعنا ثمنها. فهناك لحظاتٌ نحتاج فيها إلى أن نقول " لا" ليس لأنّنا نريد الرفض، بل لأنّنا نُريد الحياة!.

الـ"لا" في الفكر الحرّ ليست موقفًا عدائيًا تجاه الأشخاص والمجتمع، بل هي "لا" لِما لَم يَعُد يخلق حياةً. فالأحرار هم الذين يرفضون ما لم يعد يخدم الحياة والكرامة الإنسانيّة، تمامًا كما رفضت أليصابات الاسم المتوارث لأنّه لم يعد يعبّر عن دعوة المولود ورسالة حياته. والحرّ لا يتشبّث بالموروث لمجرّد أنه موروث، بل يختبر قيمته في ضوء الحقيقة.

يُشير بولس الرسول إلى ثقافة الأحرار والجواري في رسالته إلى غلاطية، ويدعو المنتمين إلى الأولى بأبناء الحُرّة، وإلى الثانية بأبناء الأمة أو الجارية، ويجزم قائلاً: "لَسنا أَبناءَ الأَمَةِ، بَل أبناءُ الحُرَّة"، ويدعو المؤمنين إلى الثبات في ثقافة الحرية لكي يفتحوا الطريق لعمل الله في حياتهم، قائلاً: "وَلأَنَّ المَسيحَ حَرَّرنا، فاثبُتوا الآنَ في هَذِهِ الحُرِّيَة، ولا تَعُودوا إلى نيرِ العُبودِيَّة"(غل5: 1).

وأمّا أنا فأقول "لا"!.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment