بقلم: ناجي علي أمهز
في المشرق العربي، هناك جرح نازف يتجاوز حدود السياسة، ويصيب جوهر الكرامة الإنسانية. ما تعانيه الأقليات اليوم يفوق كل تصور، ويهدم القيم الأخلاقية التي عرفتها البشرية حتى في أحلك عصور الجهل والتخلف. نحن نعيش في جزء من العالم انهارت فيه قيم "المواطنة" أمام طغيان "الهوية المذهبية". ففي حين تقيس الدول المتحضرة مواطنيها بمعايير الكفاءة والعدالة، نصرّ نحن على قياس الإنسان بموازين النسب والأصل والانتماء الطائفي. إنها معضلة وجودية بامتياز.
حتى لو كنت "أينشتاين" زمانك، متفوقًا في العلم والفكر، ستبقى في نظر هذا المجتمع محصورًا في إطار طائفتك الضيق. هنا، لا قيمة للعقل أمام صخب الولاءات العمياء. وهذا يطرح سؤالًا مريرًا دائمًا: كيف نبني أوطانًا أو نؤمن بالغد، ونحن نحول كل مفصل وطني إلى ساحة صراع وجودي، حيث يصبح الموت تفصيلًا أمام رعب الفناء الدائم؟
انظروا إلى مآسينا بعيون الحقيقة: ما جريمة المصلين في حمص الذين استُهدفوا بتفجيرات إرهابية غادرة تحت شعار أنهم "علويون كفار"؟
ما ذنب أهل السويداء الذين وُصموا بـ"المرتدين"؟
حتى الفرح الإنساني البسيط لم يسلم؛ فتهنئة عيد الميلاد—رمز المجد الإنساني الأول—أصبحت جريمة بذريعة "عدم التشبه بالمشركين".
بينما يغزو العالم الفضاء ويسخّر الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية، تظل عقولنا حبيسة زوايا التكفير، تستنزف طاقة الأمة في صراعات عبثية لا تقتل إلا وجودنا.
في المقابل، تمتلئ الساحة العامة بعروض استعراضية لـ"العيش المشترك" وشعارات مثل "يحيا الهلال مع الصليب"، وهي تجمعات تذكرنا أكثر بفيلم "حسن ومرقص" منها بواقع الحال. لا شيء يتغير في النفوس.
الحقيقة المرة أن الأقليات الإسلامية—الشيعة والعلويين والدروز—لا تحمل في داخلها بذور التكفير الديني تجاه الآخر، لكنها تجد نفسها في مواجهة آلة ضخمة من التعبئة، حيث يجد "الآخر" ألف فتوى وألف شيخ يعمي القلوب في جدل ديني لا ينتهي، تغذيه قناعة واهمة بأن مغفرة الله محصورة بأبناء طائفة دون سواها.
أمام هذا الواقع القاتم، لم يبقَ أمام الأقليات العلوية سوى السعي نحو الاستقلال الذاتي كدرع للبقاء، على خطى القرار التاريخي الذي اتخذه الدروز لمواجهة خطر الإبادة. أما الشيعة والمسيحيون، فرغم محاولاتهم المستميتة للحفاظ على دورهم التاريخي وسط أمواج الأكثرية، فإن الكارثة تكمن في فشلهم في التوحد على صيغة نهائية ورؤية مشتركة تضمن بقاءهم وتحفظ دورهم المشرقي الأصيل. وبدون ذلك، فإن وجودهم نفسه مهدد.
من الاستراتيجية إلى السؤال الكبير: هل "داعش" صناعة أمريكية؟
لم تبقَ هذه المعضلة حبيسة أروقة الاستراتيجيا، بل امتدت إلى أروقة البنتاغون وممرات الكونغرس. وهنا يبرز السؤال الكبير:
هل "داعش" صناعة أمريكية؟
كثير من المسلمين، في محاولتهم تبرئة الإسلام من وحشية التنظيمات التكفيرية، سارعوا إلى اتهام واشنطن بأنها من صنعت هذه الأيديولوجيا بالكامل. لكن القراءة العميقة للنظام العالمي تكشف عن تعقيد أكبر.
العالم يُدار بتوازن دقيق يشبه "تقنية النانو"، صُمم لضبط إيقاع ثمانية مليارات إنسان ومنع الفوضى الشاملة. هذا التوازن يتطلب وجود قوتين متضادتين في صراع دائم لضمان استمرار المصالح وفق الرؤية الأميركية والعالمية.
في السياسة الأميركية، هناك تقسيم واضح للأدوار:
- الحزب الجمهوري يميل تاريخيًا إلى دعم "الأكثريات" في المنطقة.
- الحزب الديمقراطي يتبنى "الأقليات".
وعندما تميل الكفة لصالح طرف، يأتي التغيير في واشنطن لإعادة التوازن. وصول الديمقراطيين يهدف إلى تمكين الأقلية، ووصول الجمهوريين يهدف إلى تمكين الأكثرية، في دورة لا تنتهي.
لكن القصة مع "الإسلام الراديكالي" أخذت منحى مختلفًا. فعندما فشلت الأقليات في إنتاج سلطة قوية تضمن التوازن الدولي الذي تريده واشنطن، غيّر صانعو القرار قواعد اللعبة. لم يعد الصراع بين "أقلية وأكثرية"، بل تحول إلى صراع "داخل الأكثرية نفسها"، ليصبح الانقسام أوضح والمعركة أشرس، كما نرى اليوم في الاقتتال بين الفصائل المتطرفة في سوريا.
الحزب الديمقراطي، الوريث لـ"الاستشراق البريطاني" بفهمه العميق للدين والمجتمع، أراد أن يُثبت للعالم أن فكرته في دعم الأقليات هي الضمانة الوحيدة للاستقرار. فقام فعليًا بـ"إطلاق يد" الإسلام الراديكالي، موفرًا غطاءً غير مباشر لتجمعاتهم، وكأنه يقول للعالم:
"هذا هو الشرق الأوسط بدون دور الأقليات... انظروا ماذا سيفعل هؤلاء." فخرجت القاعدة من رحم الجهاد الأفغاني، ومن رحم القاعدة وُلدت داعش لترتكب الفظائع. ولا أحد يعلم ماذا سيولد من رحم داعش غدًا.
هل صنعت أمريكا "داعش" في مختبراتها؟
الحقيقة أنها لم تصنع الأيديولوجيا، لكنها "أطلقت يدها" لتطبق شريعتها كما تشاء. داعش ليست صناعة استراتيجية خالصة، بل هي نتاج أيديولوجيا محلية ترفض وتكفّر "الآخر" لمجرد كونه مختلفًا.
هل كانت أمريكا حاضرة عندما ذبّح المماليك الشيعة في سوريا ولبنان بناءً على فتاوى تكفيرية؟
أمريكا فقط رفعت السد، وتركت الطوفان يجرف الجميع، لتُثبت نظريتها في إدارة الصراع، وتؤكد أن البديل عن التوازنات الحالية هو وحشية لا تعرف حدودًا أخلاقية أو دولية.
المعركة الحقيقية: ضد ثقافة التكفير
المواجهة الحقيقية ليست مع داعش، بل مع النصوص التي تستغلها داعش—نصوص تجعل "العقل" يقبل أن يكون أداة للذبح.
المعركة ضد ثقافة تلغي "الإنسان" لتُحيي "فكرة" أصبحت أكثر رعبًا وألمًا وتلاشيًا من الموت نفسه.
من العار أن يتحدث العالم عن حقوق الإنسان—بل وحتى حقوق الحيوان—بينما يعجز عن الوقوف في وجه هذا الموت التكفيري، الذي يدفع بأمتنا وحضارتنا وتقدمنا وإنسانيتنا نحو القبر وهم أحياء.












12/28/2025 - 12:51 PM





Comments