بقلم: راسم عبيدات
في إطار حرب التدمير والتهجير التي شنتها إسرائيل وأمريكا على شعبنا في قطاع غزة، فهي حتى الآن لم تُسقط خيار التهجير، وترامب يريد أن يلعب "الطرنيب" عليها، فهو يرى في أرضها قطعة استثمارية وصفقة عقارية، وهي لا تخص شعبًا له أرض وحقوق وطنية وسياسية، بل أرض يجري استثمارها في صفقة عقارية ضخمة، بحيث يتم بناء فنادق فخمة، ومنتجعات سياحية وشواطئ، ومجمعات تجارية وإسكانات بمواصفات عالية الجودة، تذهب معظم عائداتها له ولصهره كوشنير ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، وخاصة أنه أهدى الجولان السوري المحتل لنتنياهو مجانًا، دون أن يحصل على تريليونات الدولارات منها من عملية الإهداء للأرض السورية.
دولة الاحتلال التي اعترفت بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة وذات سيادة، هي واحدة من ثلاث دول تشاورت معها أمريكا وإسرائيل لتهجير الفلسطينيين من القطاع إليها. وهي بهذا الاعتراف، تريد أن تجد لها موطئ قدم في القرن الأفريقي، وتُعمّق من وجودها هناك، وتُقيم لها قواعد عسكرية واستخبارية وأمنية قريبة من البحر الأحمر وخليج عدن، تمكّنها من مراقبة إيران وجماعة أنصار الله.
كذلك الاقتراب من خطوط الطاقة والتجارة العالمية، حيث الحرب الإسنادية التي قادتها اليمن، مكّنته من فرض حصار بحري اقتصادي شامل على السفن التي تنقل البضائع إلى الموانئ "الإسرائيلية". والخطوة أبعادها أعمق من ذلك، متعلقة بتعزيز مكانة "إسرائيل" الجيوسياسية في القرن الأفريقي، فهي كذلك تُحاصر وتضغط على مصر وتهدد أمنها المائي ودورها الإقليمي، عبر تحالف "إسرائيلي" مع ما يُعرف بأرض الصومال وجنوب السودان وإثيوبيا وكينيا. ولم تكتفِ "إسرائيل" وأمريكا بهذه الخطوة، بل تسعيان عبر الإمارات إلى إيجاد موطئ قدم لها على خليج عدن والبحر الأحمر، بإقامة قواعد أمنية وعسكرية أيضًا، عبر ما يُعرف بالمجلس الانتقالي اليمني المدعوم إماراتيًا، والذي يطالب بالانفصال عن اليمن الجنوبي الذي يحكمه نظام خاضع للسعودية. وكان رئيس ما يُعرف بـ"جمهورية أرض الصومال" عبد الرحمن محمد عبد الله قد أعرب في وقت سابق عن "تقديره العميق" لدولة إسرائيل لما وصفه بالقرار الشجاع في الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، مؤكدًا أن الخطوة تُسهم في تعزيز السلام الإقليمي والدولي.
كما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن مصدر لم تُسمّه أن عبد الرحمن محمد عبد الله زار "إسرائيل" الصيف الماضي سرًا، واجتمع بنتنياهو ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد).
رئيس وزراء تركيا السابق أحمد داوود أوغلو، تعليقًا على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، قال: "إسرائيل تسعى لتطويق مصر وتركيا والسعودية، وهذا مذلة للعالم الإسلامي". وأوضح داوود أوغلو أن الاعتراف بـ"إسرائيل" واحتلالها لأراضٍ في الصومال لا يُعدّ تطورًا بعيدًا عن منطقتنا، بل هو حدث خطير يستوجب دق ناقوس الخطر، لما يحمله من مؤشرات على تقسيم الصومال وإتاحة وصول "إسرائيل" لنفسها إلى ميناء بربرة شديد الأهمية في خليج عدن والبحر الأحمر. وأضاف أن ما يجري يهدف إلى إقامة نظام هيمنة يمتد من بحر قزوين إلى خليج عدن، ومن شرق المتوسط إلى الخليج، عبر تطويق مصر والسعودية وتركيا، وهي دول محورية تمتلك قواعد مهمة بالصومال وعلى البحر الأحمر.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أول أمس الجمعة اعتراف دولة الاحتلال الرسمي بالإقليم الانفصالي "دولةً مستقلةً وذات سيادة". ووقّع نتنياهو إلى جانب وزير الخارجية جدعون ساعر و"رئيس جمهورية صوماليلاند" على إعلان مشترك ومتبادل. وبحسب بيان صادر عن ديوان نتنياهو: "يأتي هذا الإعلان بروح اتفاقات أبراهام (اتفاقيات التطبيع) التي وُقّعت بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب". وأصبحت حكومة الاحتلال أول جهة تعترف بإقليم (صوماليلاند) الانفصالي في الصومال.
وكان الإقليم قد أعلن انفصاله من طرف واحد عن الجمهورية عام 1991، عقب انهيار الدولة الصومالية والحرب الأهلية، ومنذ ذلك الحين، يسعى لنيل اعتراف دولي به دولةً مستقلة، من دون أن ينجح في ذلك، إذ لا يحظى الإقليم بأي اعتراف رسمي من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو المجتمع الدولي، الذي لا يزال يؤكد وحدة الأراضي الصومالية وسيادتها.
وتهدف إسرائيل من اعترافها بـ"أرض الصومال" أو "صوماليلاند" كـ"دولة مستقلة ذات سيادة"، نظرًا لموقعها القريب من اليمن، أن تُستخدم كقاعدة عسكرية أمامية لعدة مهام، منها رصد معلومات استخباراتية عن اليمنيين وجهودهم التسليحية، ومنصة لشن عمليات مباشرة ضد اليمن. وتريد "إسرائيل"، في مقابل علاقات مع أرض الصومال، "إنشاء قاعدة عسكرية في شمال الصومال". وبحسب التقرير، فإنّ "إسرائيل تسعى إلى تعزيز أمنها القومي عن بُعد، ومواجهة اليمن، إلى جانب فرص اقتصادية أخرى محتملة قد تنشأ عن العلاقات الدبلوماسية". وتشمل هذه الفرص الاقتصادية المحتملة زيادة الاستثمارات في الزراعة والطاقة والبنية التحتية.
المخطط الإسرائيلي لا ينحصر بهذه الأهداف فقط، فقد أقرّت وسائل إعلام إسرائيلية بأنّ اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال كدولة قد يكون جزءًا من الضغط الإسرائيلي لتهجير الغزيين ضمن خطة "ريفييرا غزة" التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أكثر من نصف عام.
صراع نفوذ
ويأتي الاعتراف الإسرائيلي وسط مؤشرات على تغيّر أوضاع البلاد، ويعود ذلك جزئيًا، بحسب موقع The Conversation، إلى خسارة الغرب حلفاءه في منطقة القرن الأفريقي لصالح الصين، ما يدلّ على سعي إسرائيلي مدعوم أميركيًا لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة، وتثبيت هيمنة أميركية على القرن الأفريقي.
وتبعًا لهذه التطورات والمواقف المتصاعدة، يُحذّر المحللون من أنّ هذا الاعتراف قد "يزعزع استقرار المنطقة، ويُعزز الجماعات المسلحة مثل حركة الشباب، ويُعقّد العلاقات مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين مثل مصر وتركيا والاتحاد الأفريقي".
المظلة الأميركية للتدخل الإسرائيلي
وتشير دراسة صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أنّ الانخراط الدولي المتزايد في "أرض الصومال"، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، لا يهدف إلى تحقيق الاستقرار، بل إلى توظيف الإقليم كمنصة عسكرية وجيوسياسية في صراع النفوذ الدولي في القرن الأفريقي. وتؤكد الدراسة أنّ هذا المسار يُهدد وحدة الصومال، ويُعمّق هشاشة الإقليم، ويُحوّل شرق أفريقيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس العسكري، ما يُعزز الفوضى بدل احتوائها.
في المحصّلة، لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" عن نمطٍ أوسع من إدارة الفوضى الإقليمية، من غرب آسيا إلى القرن الأفريقي، كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم المصالح الإسرائيلية – الأميركية المشتركة. فهذا التمدد، الذي يُغلّف بشعارات الاعتراف والسيادة والشراكات الأمنية، يفتح الباب أمام مزيد من التفكك، ويُحوّل شرق أفريقيا ومنطقة خليج عدن إلى ساحة جديدة للصراع العسكري والتنافس الدولي.
وبينما تتحرّك "إسرائيل" في الواجهة، تبقى الولايات المتحدة الداعم الاستراتيجي الذي يُوفّر الغطاء السياسي والوظيفي لهذه المقاربة، ما يجعل الفوضى الناتجة عنها جزءًا من هندسة نفوذ مقصودة، لا نتيجة جانبية غير محسوبة.
فلسطين – القدس المحتلة
Quds.45@gmail.com












12/28/2025 - 06:29 AM





Comments