الصمت اللبناني: تشريح وجداني لثقافة الصمت في مواجهة الفساد المنظَّم

12/27/2025 - 08:50 AM

San diego

 

 

 

فاروق غانم خداج *

في قلب المتوسّط، حيث تلتقي الجبال بالبحر، يعيش شعبٌ يحمل في صمته حكاية وطن. الصمت اللبناني ليس فراغًا صوتيًا، بل لغة خاصة، مشبعة بالدلالات، تشكّلت عبر عقود من الخيبات المتراكمة، والأمل الممزوج بالخذلان. ليس هو صمت اللامبالاة، ولا صمت الجهل، بل صمت من رأى كثيرًا، وخسر كثيرًا، ولم يعد يملك ترف الصراخ.

هذا المقال محاولة للإنصات إلى هذا الصمت، لا لإدانته، بل لتفكيك رموزه الوجدانية، وتحليل أسبابه البنيوية، وفهم لماذا يصمت اللبنانيون في مواجهة حكّامهم، رغم إدراكهم العميق لحجم الفساد والانهيار.

يحمل اللبناني في وعيه الجمعي ذاكرة مثقوبة بالخوف. من الحرب الأهلية التي مزّقت المجتمع، إلى الاجتياحات والصراعات المتلاحقة، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت، الذي لم يكن انفجارًا ماديًا فحسب، بل انفجارًا لما تبقّى من الثقة بالدولة. هذه الذاكرة لم تُعالَج، بل وُرِّثت. جيلٌ يسلّم جيلًا آخر خوفه غير المعلن، فتتكوّن حالة من الاستسلام الواعي، لا عن جهل بالحق، بل عن إدراك قاسٍ لكلفة المطالبة به.

في الحياة اللبنانية اليومية، لم تعد السياسة شأنًا عامًا، بل عبئًا إضافيًا على كاهل يومي مثقل أصلًا. البحث عن دواء، تأمين الكهرباء، الحفاظ على عمل في اقتصاد منهار، كلّها معارك صغيرة تستنزف الإنسان حتى العظم. هذا الاستنزاف يحوّل الهمّ الوطني من حقٍّ إلى ترف، ويجعل الصمت ردّ فعل نفسيًا طبيعيًا على إرهاق طويل، لا موقفًا فكريًا أو سياسيًا.

أمام هذا الواقع، يلجأ كثير من اللبنانيين إلى حنينٍ انتقائي، يستعيدون فيه صورة بلدٍ كان أجمل، أو بدا كذلك. هذا الحنين يعمل كملاذ نفسي، لكنه في الوقت نفسه يكرّس مفارقة موجعة: شوقٌ إلى ماضٍ لا يعود، وعجزٌ عن تغيير حاضرٍ يزداد قسوة. ومن هذه المفارقة يولد صمتٌ حزين، لكنه مفهوم.

غير أن هذا الصمت الوجداني لا يمكن فصله عن بنية سياسية صُمّمت بعناية لإنتاجه. فالنظام الطائفي القائم على المحاصصة حوّل المواطن إلى تابع، والحق إلى خدمة مشروطة بالولاء. فُتّتت المطالب الوطنية، واستُبدلت بالانتماءات الفئوية، وتحوّلت الديمقراطية إلى واجهة شكلية، عاجزة عن إنتاج محاسبة حقيقية.

اقتصاديًا، لم يعد الفساد انحرافًا عن النظام، بل أصبح النظام نفسه. اقتصاد ريعي طفيلي استنزف المال العام، وحوّل الدولة إلى غنيمة، فيما دُفعت الغالبية الساحقة إلى الهامش. ومع الوقت، لم يعد الفقر صدمة، بل حالة اعتياد.

أما الإعلام، فبدل أن يكون مساحة مساءلة، تحوّل في معظمه إلى أداة استقطاب. الحدث الواحد يُروى بعدة روايات، لا بحثًا عن الحقيقة، بل عن الجهة التي يجب تبرئتها. هكذا يُغرق اللبناني في ضجيج دائم، يفقده القدرة على التمييز، ويحوّل الضجيج ذاته إلى شكل آخر من الصمت.

وفوق كل ذلك، يعيش اللبناني تحت وطأة خوف مركّب: من العودة إلى الحرب، من الانهيار الكامل، من القمع أو التخوين. خوف لا يُشلّ الجسد فقط، بل يُكمم الصوت، ويجعل الصمت خيارًا وقائيًا.

لعلّ أخطر ما فعله الفساد في لبنان أنه لم يسرق المال العام فقط، بل سرق الإحساس بالعار. حين يصبح الفاسد “ذكيًا”، والمحتج “متهورًا”، يدخل المجتمع في صمتٍ أخلاقي أخطر من الصمت السياسي، حيث تختلّ المعايير، ويصبح التعايش مع الخطأ أسهل من مواجهته.

ومع ذلك، لم يكن الصمت اللبناني يومًا مطلقًا. فقد تكسّر في محطات مفصلية، من انتفاضة 17 تشرين التي وحّدت الشارع عابرًا للطوائف، إلى الغضب الذي أعقب انفجار المرفأ، وصولًا إلى مبادرات مدنية نشأت في غياب الدولة، وأثبتت أن المجتمع لم يمت، بل ينتظر لحظة الثقة بنفسه.

الصمت اللبناني اليوم صمتٌ مركّب، فيه إرهاق وخوف واحتجاج مكتوم، لكنه ليس قبولًا. تحت هذا السطح الهادئ، يتشكّل وعي بطيء، حذر، لكنه عميق. وربما يكون مستقبل لبنان في تحويل هذا الصمت من انكسار إلى تأمّل، ومن اليأس إلى حزنٍ مقاوم.

فالشعب الذي عرف كيف يغنّي في زمن الحرب، سيعلّم ذات يوم حكّامه أن الصمت الذي طال، لم يكن قبولًا، بل انتظارًا.

 

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment