الوحدة العربية: من حلم التحرّر إلى مأزق السلطة

12/26/2025 - 14:03 PM

Bt adv

 

 

معتز فخرالدين

يقول الصديق المرحوم الدكتور عبدالغني عماد، في كتابه «الوحدة العربية: الوعي الملتبس والمشروع المؤجل»، إنّ منطق الدمج وشخصنة السلطة أفضى إلى نتائج فادحة، ليس أقلّها سلطة العسكر التي صادرت الحريات العامة، وعطّلت الأنظمة الدستورية عبر أحكام الطوارئ التي أُشهرت في وجه الجماهير بذريعة حماية الثورة من أعداء الوحدة. ويضيف أنّ استبعاد الديمقراطية عن المشروع الوحدوي، وعن الحياة السياسية العربية عمومًا، أسهم في تغطية أنماط متعددة من الاستبداد، وأفقد المشروع الوحدوي شعبيته وحيويته المحرّكة للشارع العربي.

تنطوي هذه الخلاصة المكثّفة على تشخيص عميق لإحدى أكثر التجارب السياسية عطباً في التاريخ العربي الحديث: كيف تحوّل حلم الوحدة، بوصفه مشروع تحرّر ونهضة، إلى ذريعة لإعادة إنتاج السلطة الشمولية، وإلى أداة لتجفيف السياسة، وكسر المجتمع، وتحييد الجماهير التي قيل إنّ الوحدة جاءت باسمها ومن أجلها.

حين ابتلعت السلطة الفكرة

لم تكن أزمة المشروع الوحدوي، كما يبيّن عبدالغني عماد، في مبدئه أو في طموحه التاريخي، بل في الطريقة التي أُدير بها سياسيًا. فالوحدة لم تُطرح بوصفها مسارًا ديمقراطيًا تراكميًا تشارك في صناعته الشعوب، بل جرى اختزالها في قرار فوقي، وفي زعامة فردية، وفي جهاز دولة–سلطة يرى نفسه المالك الحصري للحقيقة الوطنية والقومية.

وهكذا، جرى الخلط بين الدولة والوطن، بين النظام والوحدة، وبين الحاكم والمشروع التاريخي. وكل معارضة لم تُفهم بوصفها اختلافًا سياسيًا مشروعًا، بل خيانة للوحدة، أو تآمرًا على الثورة، أو خدمةً للأعداء. في هذا المناخ، لم يكن ممكنًا للديمقراطية أن تتنفّس، ولا للسياسة أن تُمارس بوصفها فضاءً عامًا مفتوحًا.

العسكر بوصفهم أوصياء على الأمة

أفضى هذا المسار، كما يشير عماد بدقة، إلى صعود سلطة العسكر بوصفها «الحارس» المزعوم للوحدة. حالة الطوارئ، والمحاكم الاستثنائية، وقمع الأحزاب والنقابات، وتأميم المجال العام، كلّها قُدّمت كإجراءات مؤقتة، لكنها تحوّلت إلى بنية دائمة للحكم.

وباسم الوحدة، جرى تعطيل الدساتير، وإلغاء التداول السلمي للسلطة، وتحويل الدولة إلى جهاز أمني–عسكري يرى في المجتمع خطرًا محتملًا لا شريكًا في البناء. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالمشروع الذي كان يُفترض أن يحرّر الأمة، انتهى إلى مصادرة حرياتها باسمها.

غياب الديمقراطية… وانسحاب الجماهير

إنّ استبعاد الديمقراطية من المشروع الوحدوي لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل خطيئة تأسيسية. فالوحدة، حين تُبنى بلا مواطن حر، وبلا مجتمع حي، وبلا مؤسسات تمثيلية، تتحوّل إلى شعار أجوف سرعان ما يفقد قدرته على التعبئة والإقناع.

لذلك، لم يكن تراجع شعبية المشروع الوحدوي نتيجة مؤامرات خارجية فحسب، كما تحبّ الأنظمة أن تروّج، بل نتيجة مباشرة لانسحاب الجماهير من مشروع لم تعد ترى نفسها فيه: مشروع يتحدّث باسمها، لكنه لا يسمع صوتها؛ يطالبها بالتضحية، لكنه لا يعترف بحقّها في الاختيار والمساءلة.

وفي هذا السياق، يطرح عبدالغني عماد معادلة فكرية بالغة الدلالة، مفادها أنّه ما دام العمل القومي خارج المسار الديمقراطي، وما دامت الديمقراطية خارج البنية الداخلية للفكر القومي، فإن هذا الفكر سيبقى يعيد إنتاج أزمته التاريخية. بل إنّ هذا الانفصال يدفع بعض حاملي الخطاب القومي إلى الدفاع عن أنظمة منتِجة للظلم والتسلّط والفساد، وصولًا إلى تبرير الهزيمة ذاتها باسم «القضية» أو «الضرورة التاريخية». هنا، لا تعود الأزمة أزمة تطبيق أو ظروف، بل أزمة وعي وبنية فكرية تفصل بين القومية والحرية، وتحوّل مشروع التحرّر إلى غطاء أيديولوجي للسلطة.

من وحدة الأنظمة إلى وحدة الشعوب

تفتح قراءة عبدالغني عماد الباب أمام مراجعة جذرية لفكرة الوحدة ذاتها:

هل نريد وحدة الأنظمة أم وحدة الشعوب؟

وحدة السلطة أم وحدة المصالح والحقوق؟

وحدة تُفرض من فوق، أم وحدة تُبنى من تحت، عبر الديمقراطية، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية؟

فالوحدة التي بلا حرية ليست وحدة، بل توسّعًا في نطاق الاستبداد.

والوحدة التي بلا ديمقراطية ليست مشروع نهضة، بل مشروع تأبيد للسلطة.

أمّا الوحدة الممكنة اليوم، فهي تلك التي تمرّ حتمًا عبر الدولة المدنية، واحترام التعدّدية، واستقلال المجتمع عن أجهزة القمع، وربط القومي بالإنساني، والتحرّر بالكرامة.

خاتمة

يذكّرنا عبدالغني عماد، من خلال تفكيكه الهادئ والجذري، بأنّ أزمة الوعي الوحدوي العربي لم تكن في الحلم، بل في الطريقة التي جرى بها اغتياله سياسيًا. وأنّ أي مشروع وحدوي مستقبلي، إن لم يتصالح جذريًا مع الديمقراطية، سيعيد إنتاج الفشل نفسه، مهما تغيّرت الشعارات أو الوجوه.

فالوحدة ليست نقيض الحرية، بل تفقد معناها من دونها. وهي، إن لم تُبنَ على مواطنة حرّة، ومجتمع حي، ومؤسسات تمثيلية، ستبقى مشروعًا مؤجّلًا ووعيًا ملتبسًا وسلطة بلا أفق.

وفي هذا الحوار المفتوح مع أفكار عبدالغني عماد، أجدني أؤكد — وفاءً لصديق عمري المرحوم الدكتور عبدالغني عماد — أنّ أفضل تكريم للمفكّر ليس في ترديد أجوبته، بل في مواصلة أسئلته، وتعريضها للنقد، وإبقائها حيّة في مواجهة واقع لا يتوقّف عن التبدّل. فالفكر الذي يتجمّد عند خلاصات نهائية يفقد قدرته على الفعل، أمّا الفكر الذي يصرّ على السؤال، فيظلّ، حتى بعد رحيل أصحابه، قوة إضاءة ومقاومة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment